بعد أربعة وأربعين عامًا، لا يعود السؤال ماذا بقي من بشير الجميّل الرجل. الصورة والذكرى والانقسام حوله بقيت. لكن الرجال أبناء زمنهم، يموتون وتتبدّل ظروفهم، وتبقى أفكارهم أمام امتحان أصعب: هل تنتهي بانتهاء أصحابها، أم تعود كلما بقيت المشكلة التي وُلدت منها بلا حل؟
من هنا تبدأ الحكاية، لا من صورته أو ضريحه أو الذاكرة الحزبية، بل من لبنان الذي أنتجه. كان بلدًا تتراجع فيه الدولة كلما تقدّمت الجماعة: الأمن والقرار والسلاح موزّع، والفرد يحتاج إلى طائفته وحزبه وزعيمه كي يحمي نفسه أو يصل إلى حقّه. المشكلة لم تكن الانقسام فقط، بل عجز الدولة عن جعل الانتماء إليها كافيًا.
ومن هنا يُقرأ التحوّل في مشروع بشير. فالرجل الذي خرج من تنظيم مسلّح وصعد في حرب، انتهى إلى الكلام عن دولة لا ينافسها أحد على سلطتها، ولا يحمل أحد السلاح مكانها.
السؤال ليس كيف يتحدّث قائد ميليشيا عن الدولة، بل لماذا ظهرت الميليشيا أصلا؟ عندما تنشأ قوة خارج الدولة لعجزها عن الحماية، هل تصبح بديلا أبديًا منها، أم تنتهي وظيفتها حين تصبح إعادة بناء الدولة ممكنة؟
بهذا المعنى، يُقرأ مشروعه الأخير كخروج من "قوة الجماعة" إلى "قوة الدولة". الأولى تبدأ حين أحمي نفسي لأنني لا أثق بالدولة، والثانية حين لا أعود مضطرًا إلى ذلك. إنها محاولة انتقال من واقع الحرب إلى واقع ينهي شروطها.
عند ماكس فيبر، تتميّز الدولة الحديثة باحتكار الاستخدام المشروع للقوة. وفي لبنان الحرب كان النقيض يوميًا: حواجز، مناطق نفوذ وجيوش حزبية. لذلك كان السؤال: هل يستطيع اللبناني أن يصبح مواطنًا من دون قوة خاصة بينه وبين الدولة؟
من هنا أيضًا يُفهم الفرق بين "المسيحي اللبناني" و"اللبناني المسيحي". المسألة ليست حربًا على الهوية، بل أيّ الهويات تتقدّم عند الحقوق؟ هل أدخل إلى الدولة مواطنًا ثم أكون ما أشاء، أم أدخل إليها بطائفتي أولا؟ المشكلة تبدأ حين تصبح الطائفة باب الوظيفة والحماية والتمثيل والحق، فتتحوّل الدولة إلى طاولة تفاوض بين جماعات.
لهذا لم تكن الـ10,452 كيلومترًا مربعًا مجرد رقم. كانت تقول إن لبنان ليس منطقة نسيطر عليها أو جبلا نحتمي به. لبنان هو كل البيت: لا كانتون مسيحيًا، ولا دولة أصغر داخل الدولة، ولا تقسيم يجعل كل فريق آمنًا داخل سجنه الطائفي. لكن الدفاع عن البيت لا يعني الدفاع عن تشقّقاته؛ فالـ10,452 هي الوطن، وليست النظام الذي أدار الوطن.
وهنا يصبح تطوير مشروع بشير أوفى له من تحنيطه. فبشير 1982 لا يمكن نسخه في لبنان 2026. السؤال ليس كيف نعيده، بل ماذا نفعل بالمشكلة التي جعلته ممكنًا؟ وهي لم تختفِ: ما زال اللبناني يبحث عمّن "يمشي له معاملته"، والزعيم أسرع من الإدارة، والطائفة أقدر على الحماية من القانون، والدولة تفاوض قوى داخلها كأنها طرف.
لذلك كانت أهم مفارقات مشروعه أن الرجل الذي صنعته قوة الجماعة وصل إلى مشروع دولة يفترض، لو نجح، أن يجعلها غير ضرورية. لكن هل وصل إلى نهاية هذا التحوّل؟ لا نعرف. انتُخب رئيسًا واغتيل قبل أن يتسلّم السلطة. لم نرَ الدولة التي كان سيبنيها، ولا حدود سلطته، ولا كيف سيتعامل مع خصومه، ولا إن كانت المواطنة ستتحرّر من شروط الحرب. لذلك هناك بشيران: بشير الوقائع، وبشير الذي نتخيّل ما كان يمكن أن يصبحه.
لكن هناك أيضًا الأمل. بين الأشرفية سنة 1978 وزحلة سنة 1981، تكوّنت لدى جزء من اللبنانيين صورة رجل يحوّل الصمود إلى نتيجة ويقول إن الحرب ليست قدرًا نهائيًا. لم تكن صورة لبنان كله، لكن الظاهرة لا تُفهم بالبرنامج وحده، بل بالحاجة النفسية والاجتماعية التي ملأتها.
وهنا تقترب المسألة من حنّة أرندت وفكرة قدرة الإنسان على البدء من جديد. فالأمل ليس ضمان غدٍ أفضل، بل جعل الناس يصدّقون أن غدًا مختلفًا ممكن. بشير فعل ذلك عند جزء من اللبنانيين. لكن تحويل هذه القدرة إلى عبادة يهدمها، لأن الرجل فوق النقد يتحوّل إلى أيقونة. وبشير من رخام لا يفيد بشير ولا لبنان.
بعد أربعة وأربعين عامًا، القضية ليست استعادة رجل من 1982، بل فتح أسئلته: هل يصل اللبناني إلى حقه من دون زعيم؟ هل يكون القانون أقوى من الطائفة؟ هل تبقى الدولة دولة وهي تقبل بسيادات داخل سيادتها؟ هل نحمي التعدّدية من دون تحويلها إلى شبكة حماية بين جماعات خائفة؟ وهل نغيّر النظام من دون هدم الوطن؟
هذه ليست أسئلة بشير وحده. فبشير والحرب التي صنعته من الماضي. لكن الدولة التي تجعل اللبناني أقل حاجة إلى طائفته، والحق الذي لا يحتاج إلى واسطة، والمواطن الذي لا يطلب من زعيمه ما يفترض أن تعطيه الجمهورية، ما زالوا مشروعًا مؤجلا.
ولذلك لم يبقَ بشير لأن الرجل لم يمت في الذاكرة، بل لأن المشكلة التي أنتجت قضيته لم تمت. ومن صلب هذا الغياب، يبقى وطن كامل يفتّش، لا عن بشير آخر، بل عن اليوم الذي لن يعود فيه بحاجة إلى بشير أصلا.