في لبنان، حيث تُقاس المواقف بميزان المصالح والخوف وردود الفعل، تبدو بعض الشخصيات مختلفة لأنها لا تنتظر أن يصبح الكلام آمناً حتى تقوله. من هؤلاء الأباتي بولس نعمان، الذي رحل تاركاً وراءه نموذجاً لرجل رأى أن الإيمان لا يعفي من مسؤولية مواجهة التاريخ، وأن الصمت عن الحق، تخلياً عن المسؤولية.
عاش الأباتي نعمان معظم حياته في زمن لبناني مضطرب، شهد فيه الحرب والانقسامات والتدخلات الخارجية وتبدّل موازين القوى، لكنه لم يقف متفرجاً على التاريخ، بل اختار أن يكون جزءاً من مواجهته وصنع مساره. كان مؤرخاً شارك في صنع التاريخ، ورجل دين يؤمن بأن الكنيسة ليست منفصلة عن قضايا الإنسان والمجتمع، وراهباً وجد نفسه في مواجهة الكارثة التي تهدد بإبادة شعبه.
لم تكن المسألة بالنسبة إليه الدفاع عن جماعة في مواجهة جماعة أخرى، ولا تحويل الموقف الوطني إلى امتياز طائفي. كان هاجسه لبنان ككيان حر، ودولة قادرة على حماية أبنائها واتخاذ قرارها. ولذلك جاءت مواقفه في مراحل الحرب منسجمة مع هذا التصور، كما ارتبط اسمه بعلاقات ومواقف سياسية، أبرزها علاقته بالرئيس الشهيد بشير الجميل، الذي رأى فيه مشروعاً لإعادة بناء الدولة واستعادة القرار اللبناني.
كان الأباتي نعمان يعرف أن الدول لا تسقط في يوم واحد. تبدأ المسألة عندما تتراجع فكرة الدولة في الوعي العام، ويصبح السلاح خارجها أمراً عادياً، والتدخل الخارجي قدراً، والخوف من قول الحقيقة نوعاً من الحكمة السياسية.
الجرأة عنده لم تكن مجرد رفع الصوت، بل القدرة على دفع ثمن الموقف بحب وقناعة. أن تقول ما تؤمن به عندما تكون كلفته عالية، وأن تتمسك به رغم الضغوط، هو جزء من الاختبار الحقيقي للإنسان المسيحي.
ولعل هذا ما سيجعل تجربته غنية لكل لبناني حر؛ لا كقصة رجل من الماضي، بل كقدوة في قيادة الحاضر وصناعة المستقبل.
اللافت في تجربة الأباتي أنه لم يفصل بين الهوية المارونية والهوية اللبنانية، ولم يرَ الدفاع عن خصوصية الموارنة نقيضاً لفكرة لبنان المشترك. على العكس، كان يرى في الدور التاريخي للموارنة مسؤولية في حماية صيغة لبنان وتعدديته وحريته، لا وسيلة لعزل جماعة عن محيطها.
وهذا تحديداً ما يجعل إرثه أوسع من أي انتماء سياسي أو ديني.
فالأباتي نعمان جعل من قناعاته معياراً لموقفه، في زمن تتبدل فيه التحالفات والمواقف وفق المصالح الشخصية الضيقة. وبالنسبة إليه، تبقى قيمة الإنسان في قدرته على الحفاظ على البوصلة عندما تتغير الظروف.
يكفي أن نتوقف عند السؤال الذي تركته تجربته: ماذا يبقى من رجل الدين، والمؤرخ، والمثقف، إذا لم يستخدم معرفته وشجاعته عندما يحتاج الوطن إلى كلمة واضحة؟ وماذا يبقى من رجل القيادة إذا غيّر مبادئه وفق مصالحه؟
رحل الأباتي بولس نعمان في أيلول، شهر شهداء المقاومة اللبنانية، وبقي السؤال الذي يتجاوز شخصه: هل ما زال في لبنان من يملك شجاعة أن يقول الحقيقة عندما لا تكون شعبية، وأن يدافع عن الأرض عندما يكون الدفاع عنها مكلفاً، وأن يضع المصلحة العامة فوق الحسابات الشخصية؟
ربما يكون هذا هو أفضل ما يمكن أن نرثه منه: أن نقف، حيث لا يجرؤ الآخرون.