انتقل الأباتي بولس نعمان إلى حياة أفضل وأبقى. تناولت وسائل الإعلام تفاصيل سيرته الطويلة، كما دوّن العديد ممن عرفه أحداثًا تثبت سمات يكاد ينفرد بها من شجاعة الجهر بقناعاته وعدم الضعف أمام إغراء ولا الخوف من تهديد، قيم انحصرت بقديسين وأولياء، وندرت بين السياسيين.
ما كانت مسيرتانا لتتقاطع لولا الوزن الخُلقي للأباتي نعمان وما تميّز به من ثبات في القيم وشجاعة في طرحها والدفاع عنها، وهي صفات لا غنى لنشطاء حقوق الإنسان عنها لتوطيد علاقة مع هذه القلّة، لرفع التسلّط واستعادة الحقوق. وبدعم من الأباتي نعمان، تمكّنا من حمل المحكمة العسكرية على إطلاق سراح مندوب هيئة تحرير إرتريا، والإفراج عمّا يزيد على 1500 مواطن اعتقلهم السوريون في أسبوع الفصح عام 1996.
ما كان الأباتي نعمان نكرة قبل توليه الرئاسة العامة للرهبانية المارونية اللبنانية، إذ كان يحظى بكاريزما بين الطلاب ومحل إعجاب من عرفه. من إنجازاته دوره في نجدة أهالي الدامور والحيلولة دون إبادة مدينة يقارب سكانها العشرين ألفًا، بتأمين نقلهم بحرًا في ظروف ملاحية صعبة إلى جونية وإيوائهم وتأمين القوت لهم بفضل الرهبانية اللبنانية وجامعة الروح القدس- الكسليك.
كان انتقال حرب 1975 من مرحلة المناوشات عبر خطوط تماس، إلى مرحلة أشد عنفًا تهدف إلى وصل التوسع العسكري بأصوله عبر استئصال التجمعات المخالفة الفاصلة بينهما. بدايتها كانت وصل بيروت الشرقية بالتجمع المسيحي الأساسي عبر احتلال تل الزعتر والكرنتينا. بنفس المنطق قرر الفلسطينيون ويساريو لبنان إزالة كل وجود مسيحي يفصل بين قلب سيطرتهم، بيروت الغربية، والامتداد الإسلامي في جنوب لبنان. عليه كان من الضروري احتلال الدامور والجيّة واستئصال سكانهما.
ليس غرضنا الدخول في تفاصيل المأساة. حسبنا أن نشير إلى إلباس منظمة التحرير حشدها العسكري زيًّا لبنانيًّا عبر الحركة الوطنية، وحتى طلائه بطلاء صراع مسيحي داخلي، بتنظيم مؤتمر صحفي في دير الناعمة، وإقامة حواجز طوال الطريق إليه من مقاتلين فلسطينيين بصلبان حول أعناقهم. أما المتكلمون فكانوا شبانًا في قيادات منظمات أرثوذكسية وكاثوليكية أنكروا حدوث مجازر، فإن "كانت ثمة مجازر، فتلك من عمل مسلحين مسيحيين انعزاليين".
كان الهجوم الأول على بيوت سكنية في الضاحية الشمالية الشرقية للبلدة. ابتدأ بالتكبير ثم دخول المنازل واحتجاز السكان واستجوابهم لمعرفة أماكن الاحتفاظ بالنقود وحلى النساء، والانفراد بهنّ بقصد تنبيشهنّ الذي تبعه اعتداءات جنسية عقبها القتل. امتلأت كنيسة الدامور باللاجئين حيث قام الأب منصور لبكي بتشجيع الرعية على استقبال الموت باسم المسيح ومنح الجميع مسحة الموت.
تجمّع الناجون على شاطئ البحر، المنفذ الوحيد المتبقي للنجاة بعد سيطرة المهاجمين على الجهات البرية الثلاث. كان معظم الحشد بثياب النوم، وبعضهم حفاة، لعدم توقّع الهجوم. هنا كان الدور الكبير للأباتي نعمان. يذكر أنه كان في مقره في جامعة الروح القدس - الكسليك عند وصول أنباء الهجوم على الناعمة والدامور وحراجة الموقف. للتو اتصل بالقيادة البحرية في جونية وبنادي اليخوت، وابتدأت عملية إجلاء آلاف المدنيين عبر بحر هائج إلى جونية، كما أمّن الأباتي ورهبان الكسليك أماكن إيواء موقتة في الأديرة، وطعامًا وضروريات أخرى.
لا يذكر الأباتي نعمان لتواضعه دوره، لكنه سرد أوضاع اللاجئين المأسوية وكيف كان عليه أن يخطو فوق عشرات الأشخاص المفترشين الأرض في محل إقامته.
كان محل تقديري للأباتي نعمان دوره في "حوار الأديان". كان همه الأول الوجود المسيحي المهدد إذ كان في طليعة الساعين إلى المصالحة بين المتقاتلين المسيحيين. لكن الفريد في سيرته كان موقفه من "حوار الأديان" الذي لم يثر شهيته قط، لكنه بالمقابل لا أذكر مرة حطّ من قدر الإسلام أو استهزأ به على خلاف ثنائية مواقف أساقفة اشتركوا في الحوارات.
الذروة في سيرة الأباتي نعمان كانت خلال رئاسته للرهبنة بين عامَي 1980 و1986. كان أمام "الجبهة اللبنانية" خياران: الإبادة أو طلب العون من إسرائيل، الإجراء الوحيد المتبقي للحيلولة دون استئصال الوجود المسيحي. كما لا يقل عنه أهمية دور الأباتي في التحضير لانتخاب بشير الجميّل رئيسًا للجمهورية، ما بدا لمعظم أولي الأمر مخاطرة لا ضمان لنتائجها، إضافة إلى صعوبات واجهها داخل "الجبهة اللبنانية"، وفي صفوف حزب الكتائب، وحتى ضمن عائلة الجميّل.
الخطوة الأولى التي انتهت بانتخاب بشير الجميّل كانت دعم الأباتي نعمان لترشيحه لتلتحق معظم القوى المسيحية به وتتعداها لسائر الطوائف وخاصة دور حاسم من رئيس المجلس النيابي كامل الأسعد والذي كان سببًا أساسيًّا لنقمة الاحتلال السوري عليه وطي صفحة ساطعة في تاريخ الشيعة اللبنانيين.
رحم الله الأباتي بولس نعمان وصلاتنا ألا يبخل على لبنان بأمثاله.