محمد البابا

ثلاثة أشهر قلبت معادلة الحرب وأعادت أوكرانيا من الدفاع إلى الهجوم

5 دقائق للقراءة

لم يكن تعيين اللواء ميخايلو دراباتي قائداً عاماً للقوات المسلحة الأوكرانية مجرد تغيير في الأسماء أو المناصب داخل المؤسسة العسكرية، بل شكّل نقطة تحول حقيقية في مسار الحرب الدائرة منذ أكثر من أربع سنوات. فبعد فترة طويلة بدت خلالها القوات الأوكرانية منشغلة باحتواء الهجمات الروسية والدفاع عن خطوطها ومنع المزيد من الخسائر، جاءت القيادة الجديدة برؤية مختلفة تقوم على استعادة زمام المبادرة والانتقال من الدفاع المستنزِف إلى الهجوم المباغت.


وعلى مدى أكثر من عامين، تمكنت القوات الروسية من التقدم التدريجي في عدد من المناطق شرق أوكرانيا، مستفيدة من تفوقها العددي والناري ومن استراتيجية الاستنزاف الطويلة التي أرهقت الوحدات الأوكرانية. وخلال تلك الفترة، تحولت العديد من البلدات والقرى التي استولت عليها موسكو إلى مواقع دفاعية محصنة، واعتقد كثير من المراقبين أن استعادتها ستتطلب سنوات أو كلفة بشرية وعسكرية هائلة.


إلا أن الأشهر الثلاثة الأولى من قيادة ميخايلو دراباتي كقائد للقوات المسلحة الاوكرانية حملت مؤشرات مختلفة تماماً. فالضابط الشاب الذي بنى سمعته في ساحات القتال المباشرة لم يكتف بإدارة الجبهات وفق الأساليب التقليدية، بل أطلق عملية إعادة تنظيم واسعة داخل الجيش شملت إعادة توزيع الوحدات القتالية، وتبسيط سلاسل القيادة، وتسريع تدفق المعلومات والذخائر والطائرات المسيّرة إلى الخطوط الأمامية، ومنح القادة الميدانيين مرونة أكبر في اتخاذ القرار وتنفيذ العمليات.


جوهر ما بات يُعرف داخل الأوساط العسكرية بـ"عقيدة دراباتي" يقوم على مبدأ واضح: الدفاع الثابت يمنح الخصم الوقت للتكيف والتقدم، أما الهجوم المستمر والمدروس فيجبره على القتال في ظروف يفرضها الطرف الآخر. ومن هنا بدأت أوكرانيا بالانتقال تدريجياً من رد الفعل إلى الفعل، ومن حماية المواقع إلى مهاجمة نقاط الضعف الروسية على امتداد الجبهة.


وخلال فترة قصيرة نسبياً، بدأت نتائج هذه الاستراتيجية تظهر بوضوح. ففي محور ليمان الاستراتيجي، أطلقت القوات الأوكرانية عملية هجومية واسعة عُرفت باسم "عملية فيفالدي"، شارك فيها الفيلق الثالث واللواء الآلي الستون. وأسفرت العملية عن تفكيك مواقع روسية كانت تشكل رأس جسر هجومي مهماً، واستعادة عدد من القرى والبلدات التي ظلت تحت السيطرة الروسية لفترات طويلة، بينها سيريدني ونوفوسيليفكا وأولكساندريفكا وياروفا، مع دفع خطوط التماس نحو نهر تشورني جيربيتس.


ولم يقتصر الأمر على محور واحد. ففي قطاع ألكسندريفكا الواقع عند تقاطع دونيتسك ودنيبروبتروفسك وزابوريجيا، استغلت القوات الأوكرانية ثغرات في الانتشار الروسي ونفذت هجوماً خاطفاً أدى إلى تحرير نحو 745 كيلومتراً مربعاً وأكثر من 26 تجمعاً سكانياً خلال فترة قصيرة، وهو ما اعتُبر أحد أبرز الإنجازات الميدانية الأوكرانية منذ فترة طويلة.


أما في جبهة كوبيانسك شمال شرقي البلاد، فقد نجحت القوات الأوكرانية في قلب المشهد الميداني بالكامل. فبعد أن كانت القوات الروسية تحاول توسيع مناطق نفوذها والتقدم نحو مواقع جديدة، تحولت تلك المحاولات إلى فرصة لهجمات أوكرانية مضادة انتهت بتأمين الشريط الفاصل بين زابادني ودفوريتشنا وإعادة المبادرة إلى يد القوات الأوكرانية.


وتشير المعطيات الميدانية إلى أن هذه العمليات مجتمعة أسفرت عن استعادة أكثر من 900 كيلومتر مربع من الأراضي خلال فترة لا تتجاوز ثلاثة أشهر، وهي مناطق أمضت القوات الروسية أكثر من عامين في القتال من أجل السيطرة عليها وتحصينها. ولهذا ينظر العديد من المراقبين العسكريين إلى هذه التطورات باعتبارها أول اختبار حقيقي لفعالية القيادة الجديدة، وأول دليل عملي على نجاح التغييرات التي أدخلها دراباتي على بنية القوات المسلحة الأوكرانية.


لكن ما يميز هذه المرحلة ليس فقط حجم الأراضي المستعادة، بل الطريقة التي تحققت بها هذه المكاسب. فبدلاً من شن هجوم كبير على محور واحد كما حدث في مراحل سابقة من الحرب، اعتمدت القيادة الأوكرانية الجديدة على تنفيذ عمليات متزامنة ومتعددة الاتجاهات، ما أجبر القوات الروسية على تشتيت احتياطاتها وإعادة توزيع وحداتها الدفاعية على مساحات واسعة.


وفي الوقت ذاته، لم تفصل كييف بين المعركة على الجبهة والمعركة في العمق الروسي. فمع كل تصعيد روسي ضد المدن الأوكرانية، كانت أوكرانيا توسع نطاق هجماتها بعيدة المدى ضد منشآت الطاقة والبنية اللوجستية الروسية. وكما جرت العادة خلال الأشهر الأخيرة، لم يتأخر الرد على الهجمات الروسية، إذ شهد صباح الأحد 20 سبتمبر واحدة من أوسع موجات الاستهداف الأوكراني لمنشآت النفط والتكرير داخل موسكو وعدد من المقاطعات الروسية، في إطار استراتيجية تهدف إلى استنزاف القدرات الاقتصادية واللوجستية التي تدعم العمليات العسكرية الروسية.


ويبدو أن القيادة الأوكرانية الجديدة تنظر إلى الحرب باعتبارها منظومة مترابطة لا تقتصر على خنادق القتال فقط. فالهجوم البري يستهدف استعادة الأرض، بينما تعمل الضربات بعيدة المدى على إضعاف خطوط الإمداد ومراكز الطاقة والقدرات الاقتصادية للخصم، بما يحد من قدرته على مواصلة الضغط على الجبهات.


بعد سنوات من قيادة اولكساندر سيرسكي التي اتسمت في معظمها بالدفاع واحتواء الهجمات الروسية، تشير التطورات الأخيرة إلى أن أوكرانيا دخلت مرحلة مختلفة عنوانها المبادرة والمناورة والهجوم المستمر. وبينما لا تزال الحرب بعيدة عن نهايتها، فإن الأشهر الثلاثة الأولى من قيادة ميخايلو دراباتي أظهرت تحولاً ملموساً في طبيعة العمليات العسكرية، ونجحت في إعادة رسم المشهد على خطوط التماس، عبر استعادة أراضٍ خسرتها كييف سابقاً وإجبار القوات الروسية على الانتقال من موقع المهاجم إلى موقع المدافع في أكثر من جبهة.