الدكتور أنور صيّاح

سلسلة "نحو الإنسانية" (30)

بين الذاكرة والتاريخ... هل نتذكّر ما حدث، أم ما تركه الحدث فينا؟

20 دقيقة للقراءة

المقدمة

ثمة أشياء تنتهي، لكنها لا تغادر.

قد تمضي أعوامٌ طويلة، ثم تعيدنا رائحةٌ عابرة إلى بيتٍ لم يعد موجودًا، أو توقظ فينا أغنيةٌ قديمة وجهًا غاب، أو تجعلنا كلمةٌ واحدة نشعر بأن المسافة بين الآن وما حدث يومًا لم تكن بعيدة كما ظننّا.

لا نستدعي تلك اللحظات دائمًا؛ هي التي تفاجئنا؛ تخرج من مكانٍ خفيّ في داخلنا، حيّةً بتفاصيل حسبنا أننا نسيناها، فنرى ما لم يعد موجودًا، ونسمع ما صمت منذ زمن، ونشعر للحظةٍ أن ما مضى لم يمضِ تمامًا.

لكن الماضي لا يعود إلينا كاملًا؛ يعود منه وجه، وصوت، وشعور، وتغيب أشياء أخرى من دون أن نعرف لماذا بقي هذا وضاع ذاك.

فأين يذهب ما عشناه بعد أن ينتهي؟ وماذا يبقى منه فينا؟

ما بقي فينا

الذاكرة ليست مخزنًا نضع فيه ما عشناه ثم نستعيده كما حدث؛ إنها الأثر الذي تركه الحدث فينا؛ لا تحفظ اللحظة كاملة، بل تحتفظ بما لامس خوفنا أو حبنا أو ألمنا، وما استطاع وعينا أن يحمله منها.

وقد منح مارسيل بروست (Marcel Proust) هذه العودة صورتها الأدبية الأشهر؛ فعندما تذوّق قطعةً من كعكة "المادلين" غمسها في الشاي، لم يتذكّر واقعةً منفردة، بل نهضت في داخله مدينة طفولته بتفاصيلها وطرقاتها وبيوتها؛ لم يستدعِ الماضي بإرادته؛ كان مذاقٌ صغير هو الذي فتح له بابًا ظنّ أن الزمن أغلقه؛ وكأن الحواس تحتفظ أحيانًا بما تعجز الذاكرة الواعية عن استعادته، فيبقى الماضي ساكنًا في رائحةٍ أو طعمٍ أو صوت، ينتظر مصادفةً تعيده حيًّا.

لهذا قد يعيش شخصان الحدث نفسه، ثم يتذكّره كلٌّ منهما بطريقة مختلفة؛ فما كان لأحدهما تفصيلًا عابرًا، قد يكون للآخر لحظةً غيّرت حياته؛ لا يعني ذلك بالضرورة أن أحدهما صادق والآخر كاذب، بل إن الحدث وقع بينهما، ثم ترك في كلٍّ منهما أثرًا مختلفًا.

والذاكرة لا تستعيد الماضي فقط؛ إنها تعيد تشكيله من المكان الذي نقف فيه اليوم؛ فقد نفهم بعد أعوامٍ كلمةً لم نفهمها حين قيلت، أو نغفر موقفًا كان يؤلمنا، أو نرى في لحظةٍ أحببناها ما لم نكن قادرين آنذاك على رؤيته.

فالذكرى لا تخبرنا عمّا حدث فقط، بل عمّن كنّا عندما حدث، وعمّن أصبحنا حين تذكّرناه.

لهذا تكون الذاكرة صادقةً في التعبير عن تجربتنا، من دون أن تكون دائمًا صورةً كاملة عن الحقيقة؛ إنها لا تقول: "هذا كل ما حدث"، بل تقول، ولو من دون كلمات: "هذا ما بقي فيَّ ممّا حدث".

ما بقي بيننا

إذا كانت الذاكرة ما يبقى من الحدث في الإنسان، فالتاريخ هو ما يبقى من الإنسان والحدث في رواية الجماعة؛ فالذاكرة تقول: "هذا ما عشته"، أما التاريخ فيحاول أن يقول: "هذا ما حدث".

ولهذا لا يكفي أن يجمع التاريخُ الذكريات؛ عليه أن يخرج من حدود التجربة الفردية، فيقارن الشهادات، ويفحص الوثائق، ويبحث عمّا أغفلته الروايات، ويصغي إلى أصوات الذين لم يمتلكوا سلطة الكتابة.

لكن الحدث يقع مرةً واحدة، ثم ينتهي؛ وما يصل إلى المؤرّخ ليس الحدث نفسه، بل آثاره: وثيقةٌ نجت، وشهادةٌ حفظتها الذاكرة، ورسالةٌ لم تُتلف، وصورةٌ التُقطت من زاوية، وصوتٌ استطاع الوصول فيما ضاعت أصوات أخرى.

لذلك لا نملك تاريخًا بالمعنى المطلق؛ لا يستطيع أحدٌ أن يعيد الماضي كاملًا كما وقع، ولا أن يرى جميع تفاصيله من كل الجهات؛ ما نملكه محاولاتٌ بشرية للاقتراب منه، تختلف قيمتها بمقدار ما فيها من أمانةٍ ومنهجٍ وقدرةٍ على التحرر من الهوى والمصلحة؛

ولا يعني غياب التاريخ المطلق أن الحقيقة غير موجودة، أو أن جميع الروايات متساوية؛ فثمة فرقٌ بين روايةٍ تختبر نفسها أمام الوثيقة والشهادة والنقد، وروايةٍ تختار ما يخدمها وتخفي ما يدينها.

فموضوعية التاريخ ليست أن يمتلك المؤرّخ الحقيقة كاملة، بل أن يكون أمينًا في البحث عنها، وألّا يملأ ما يجهله بما يريد أن يكون قد حدث.

مَن يروي؟

لا تبدأ كتابة التاريخ عند وضع الكلمات على الورق، بل قبل ذلك بكثير: عند اختيار ما يستحق أن يُكتَب، ومَن يستحق أن يُذكَر، وأيُّ وثيقةٍ تُحفَظ، وأيُّ صوتٍ يُترك للنسيان.

فالسلطة لا تملك الأرض والقرار فقط؛ تحاول أن تملك رواية ما حدث أيضًا؛ تمنح انتصاراتها أسماءً كبيرة، وتخفي أخطاءها في الهوامش، وتصنع من رجالها أبطالًا، فيما قد يمرّ الضحايا في سطرٍ واحد، أو يسقطون من الكتاب تمامًا.

ولهذا قيل إن التاريخ يكتبه المنتصرون؛ فالمنتصر لا يكسب المعركة وحدها، بل يربح غالبًا حقَّ تسميتها وتحديد أبطالها؛ لكن انتصاره لا يجعل روايته هي الحقيقة؛ قد يجعلها فقط الرواية الأعلى صوتًا والأوسع انتشارًا.

وليس المنتصر وحده مَن يصنع روايته؛ فقد يكتب المهزوم أيضًا ماضيه كأنه كان بريئًا من كل خطأ، وتحفظ الجماعة جراحها فيما تنسى الجراح التي سبّبتها لغيرها؛ وهكذا يتحول التاريخ إلى مرافعاتٍ متقابلة: كلُّ طرفٍ يعرض أدلته، ويخفي ما يدينه، ويطلب من الأجيال التالية أن ترث حكمه قبل أن تسمع القضية.

أخطر ما يحدث للماضي ليس أن يُنسى فقط، بل أن يُروى كاملًا بصوتٍ واحد؛ لأن الصوت الواحد قد يحفظ الوقائع، لكنه يعجز عن حفظ الحقيقة التي توزّعت بين الذين عاشوها.

ذاكرة الجماعة

لا تبقى الذاكرة فرديةً دائمًا؛ فعندما تتشارك جماعةٌ ألمًا أو انتصارًا أو اقتلاعًا، تتكوّن بينها ذاكرةٌ جماعية تحفظ بها صورتها عن نفسها، وتنقلها من الآباء إلى الأبناء.

رأى عالم الاجتماع موريس هالبفاكس (Maurice Halbwachs) أن الإنسان لا يتذكّر وحده تمامًا؛ فالجماعة تمنح ذكرياته إطارها ولغتها ومعناها، نحن نتذكّر داخل عائلةٍ وطائفةٍ ووطن، ونتعلّم من محيطنا أيَّ أحداثٍ نستعيد، وبأي أسماء نصفها، ومَن نعدّه فيها بطلًا أو ضحيةً أو عدوًا.

وهنا تكمن قوة الذاكرة الجماعية وخطورتها معًا؛ فهي تحفظ للناس ما حاول الآخرون محوه، وتصون أسماء الضحايا من النسيان، لكنها قد تجعلهم أيضًا أسرى روايةٍ واحدة، يرثون أوجاعها وأحكامها حتى لو لم يعيشوا أحداثها.

وحين تكتب كل جماعةٍ ذاكرتها وتسميها تاريخًا، يصبح لدينا أكثر من ماضٍ للحدث الواحد؛ يحمل كل طرفٍ حصته من الوقائع، ثم يضيف إليها خوفه ومصلحته وصورته عن نفسه، ويقدّم طبخته الخاصة بوصفها الحقيقة كاملة.

ليست المشكلة أن تكون للجماعة ذاكرة؛ فمن دونها تفقد جزءًا من هويتها؛ المشكلة أن تجعل ذاكرتها الحدَّ الأخير للحقيقة، فلا يبقى في الماضي مكانٌ لذاكرة الآخر.

إنقاذ الماضي

وُلد التاريخ من خوف الإنسان من أن يبتلع النسيان ما فعله البشر؛ فقد كتب هيرودوت (Herodotus) لكيلا تمحو الأيام أعمال الناس، ولكي تبقى أسباب الصراعات الكبرى معروفةً بعد رحيل الذين عاشوها؛ كان التاريخ، في بداياته، محاولةً لإنقاذ الحدث من الموت.

لكن الحفظ وحده لم يكن كافيًا؛ فالرواية قد تبقى وتكون خاطئة، وقد تنتقل الحكاية بين الناس حتى يمنحها التكرار صدقيةً لم تمنحها الوقائع؛ لذلك اتخذ التاريخ مع ثوسيديديس (Thucydides) خطوةً أخرى: لم يكتفِ بما يُروى، بل قارن الشهادات، وبحث في الأسباب، واعترف بأن الذين شهدوا الحدث نفسه لا يصفونه بالطريقة ذاتها، بل وفق ذاكرتهم وميلهم ومصلحتهم.

من هنا بدأ المؤرّخ يقف في المسافة الصعبة بين النسيان والتصديق؛ عليه أن يحفظ ما حدث، من دون أن يصدّق كل ما حُفظ عنه، وأن يصغي إلى الشاهد، من دون أن يجعل شهادته الحقيقة كلها.

فالتاريخ لا يبدأ بجمع الروايات، بل بمساءلتها: مَن يتكلم؟ ماذا رأى؟ ماذا لم يرَ؟ ماذا يريد أن نصدّق؟ وما الذي تغيّر في حكايته بعدما عرف كيف انتهت الأحداث؟

كان هيرودوت يريد ألّا يضيع الماضي، وكان ثوسيديديس يريد ألّا نخدع أنفسنا بما بقي منه؛ وبين الحفظ والتحقّق وُلدت مسؤولية المؤرّخ.

امتحان الخبر

قبل قرونٍ من ظهور مناهج التاريخ الحديثة، أدرك ابن خلدون (Ibn Khaldun) أن الخبر لا يصبح حقيقةً لمجرّد أن الرواة تناقلوه، ولا لأن كتابًا قديمًا أثبته؛ فالرواية قد يدخلها التحيّز، والثقة الزائدة بالناقلين، والتقرّب من أصحاب السلطة، والجهل بطبيعة ما يمكن أن يحدث.

لهذا لم يكتفِ بالسؤال: مَن روى الخبر؟ بل سأل أيضًا: هل يمكن أن يكون قد وقع على هذا النحو؟ وهل ينسجم مع طبيعة المجتمع والسلطة والاقتصاد والعمران؟ لقد نقل المؤرّخ من دور ناقل الماضي إلى دور مَن يمتحنه.

وتكمن أهمية ابن خلدون في أنه فهم أن الكذب التاريخي لا يولد دائمًا من اختلاقٍ متعمّد؛ قد يولد من التعصّب لجماعة، أو الإعجاب بشخص، أو الخوف من حاكم، أو الرغبة في جعل الماضي أعظم مما كان؛ وقد ينقل الكاتب خبرًا كاذبًا بأمانة، لأنه لم يشكّ فيه أصلًا.

وهذا ما يجعل النقد جزءًا من الوفاء للماضي، لا إساءةً إليه؛ فاحترام مَن سبقونا لا يعني قبول كل ما قالوه، وحفظ الرواية لا يعفينا من فحصها؛ فالمؤرّخ الأمين لا يسأل فقط عمّا وصل إليه، بل عمّا صنع وصوله بهذه الصورة.

التاريخ لا يصبح أكثر صدقًا بكثرة مَن يردّدونه، بل بجرأة مَن يضعونه أمام العقل والوثيقة واحتمال الخطأ؛ فالخبر الذي لا يُمتحَن قد يحفظ الماضي، وقد يزوّره.

ما لم يُكتب

لا يكمن نقص التاريخ في أخطاء ما كُتب فقط، بل في كل ما لم يجد طريقه إلى الكتابة؛ فالقادة تركوا خطاباتهم، والدول حفظت مراسلاتها، والجيوش سجّلت انتصاراتها، أمّا الخائفون والجائعون والمهجّرون، فكثيرًا ما رحلوا من دون أن يتركوا وثيقةً تحمل أسماءهم.

لفت والتر بنيامين (Walter Benjamin) النظر إلى الماضي كما يراه المهزومون؛ فخلف ما نسمّيه انتصارًا تاريخيًا بشرٌ دُفعت حياتهم ثمنًا له، وخلف الصروح التي تروي عظمة الحضارات أيدٍ بنت وتعبت، ثم غابت أسماؤها وبقي اسم الحاكم.

وقد التقط منصور الرحباني هذا الظلم في مسرحية "صيف 840"، حين أدرك المقاتلون أن التاريخ، عندما يُكتَب، سيحفظ أسماء إبراهيم باشا والأمير بشير، فيما لن يذكر الذين قاتلوا وماتوا وصنعوا الثورة: "نحنا اللي كنّا حطب الثورة، ما حدا بيذكرنا، لكن لولانا ما حدا قاوم ولا حدا انتصر". في كلماتهم مرارة الذين يعرفون أنهم يصنعون الحدث، لكنهم لن يدخلوا الرواية التي ستُكتب عنه؛ فتبقى أسماء القادة في الكتب، وتضيع أسماء الذين حملوا البنادق ودفعوا الثمن.

التاريخ الرسمي يحبّ اللحظات الكبيرة: المعارك، والمعاهدات، وسقوط الدول وقيامها؛ لكن حياة البشر تجري أيضًا في التفاصيل التي لا تدخل الكتب: أمٌّ انتظرت ابنًا لم يعد، وعائلةٌ تركت بيتها وفي ظنها أنها ستعود بعد أيام، وطفلٌ تعلّم الخوف قبل أن يعرف سبب الحرب.

هذه التفاصيل لا تغيّر تواريخ المعارك، لكنها تغيّر معنى المعركة؛ فالحدث الذي يبدو في الكتاب نصرًا قد يكون في حياة إنسانٍ فقدًا لا يُعوَّض، والقرار الذي يُختصر في سطر قد يكون قد قسم أعمارًا كاملةً إلى ما قبله وما بعده.

ليس التاريخ الحقيقي سجلّ مَن غيّروا العالم فقط، بل سجلّ الذين غيّر العالم حياتهم من دون أن يسألهم؛ وما لم يُكتب عنهم لا يعني أنهم لم يكونوا هناك، بل ربما يعني أن أحدًا لم يمنح ألمهم حبرًا.

حقّ النسيان

نخاف النسيان لأنه يبدو خيانةً لما عشناه ولمن فقدناهم؛ فنقاومه بالصور والكتابة والطقوس وأسماء الشوارع والنصب، كأن بقاء الذكرى يمنح الذين غابوا شكلًا آخر من أشكال الحضور.

لكن الإنسان لا يستطيع أن يحمل ماضيه كلّه في كل لحظة؛ رأى فريدريش نيتشه (Friedrich Nietzsche) أن القدرة على النسيان ضروريةٌ للحياة؛ فمَن يعجز عن تحرير عينيه من الأمس، قد يفقد قدرته على رؤية ما يولد أمامه اليوم.

ليس المقصود أن نمحو الجريمة أو نتجاوز حق الضحية باسم المستقبل؛ فهناك نسيانٌ تفرضه السلطة كي تفلت من المسؤولية، ومصالحةٌ كاذبة تطلب من المجروح أن يصمت قبل أن تُقال الحقيقة؛ هذا ليس شفاءً، بل دفنٌ للجرح وهو ما يزال حيًّا.

لكن هناك أيضًا نسيانٌ من نوع آخر: ألّا يبقى الألم صاحب القرار في حياتنا، وألّا نورّث أبناءنا الكراهية نفسها التي استنزفتنا؛ أن نتذكّر ما حدث من دون أن نسمح له بأن يحدث فينا إلى الأبد.

فالذاكرة العادلة لا تنسى الضحية، لكنها لا تجعل الانتقام الطريقة الوحيدة للوفاء لها؛ والنسيان الإنساني لا يمحو الماضي، بل يحرّر المستقبل من أن يكون نسخةً عنه.

عدل الذاكرة

بين ذاكرةٍ ترفض أن تنسى، ونسيانٍ يريد أن يفتح باب المستقبل، بحث بول ريكور (Paul Ricœur) عن ذاكرةٍ عادلة؛ ذاكرة لا تمحو الجريمة، ولا تستعملها سلاحًا دائمًا، ولا تحتكر الألم كأن جماعةً واحدة وحدها عرفت الظلم.

فالوفاء للماضي لا يكون بتقديس روايتنا عنه، بل بامتلاك الشجاعة لمراجعتها؛ أن نعترف بما وقع علينا من أذى، من دون أن نخفي ما أوقعناه نحن بالآخرين، وأن نحفظ أسماء ضحايانا من دون أن نمحو أسماء ضحاياه.

وليست المساواة بين الآلام مساواةً بين المسؤوليات؛ فقد يكون هناك معتدٍ وضحية، وجريمةٌ واضحة لا يجوز تذويبها في كلامٍ عام عن أخطاء الجميع؛ لكن العدالة لا تكتمل إذا استخدمنا حقيقة ظلمنا لإنكار ظلمٍ ارتكبناه، أو جعلنا جراحنا تمنحنا براءةً دائمة. الذاكرة العادلة لا تطلب من الإنسان أن يتخلّى عن حكايته، بل أن يفتح فيها نافذةً لحكاية غيره؛ فقد لا نتفق على تفسير الماضي، لكن يمكننا أن نعترف بأن الألم الذي لم نشعر به كان حقيقيًا أيضًا.

تنضج الذاكرة حين تتوقف عن السؤال: كيف أثبت أنني كنت الضحية وحدي؟ وتبدأ بالسؤال: كيف أحفظ حق الضحية، أيًّا يكن اسمها، وأمنع أن يصبح ألم الأمس ظلمًا جديدًا اليوم؟

إنسانية الماضي

لا تستطيع الإنسانية أن تغيّر ما حدث، لكنها تستطيع أن تغيّر الطريقة التي نحفظه بها؛ فهي توسّع ذاكرة المنتصر لتُدخل إليها المهزوم، وتفتح سجلّ القادة لأسماء الذين دفعوا ثمن قراراتهم، وتعيد إلى الأرقام وجوهًا، وإلى المعارك أمهاتٍ وأطفالًا وبيوتًا تغيّرت حياتها إلى الأبد.

فحين تنظر الإنسانية إلى التاريخ، لا تسأل فقط: مَن انتصر؟ بل: مَن تألّم؟ ولا تكتفي بمعرفة مَن وقّع المعاهدة، بل تبحث عمّن فقد أرضه أو ابنه أو مستقبله قبل أن يجفّ حبرها؛ لأنها تعرف أن الحدث لا يُقاس بما غيّره في الحدود والسلطات وحدها، بل بما فعله بحياة الإنسان.

ولعل فكر شارل مالك (Charles Malik)، الذي أسهم في صياغة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، يمنح هذه المسؤولية معيارها الأوضح؛ فالإنسان ليس مادةً تستعملها الدولة لصناعة تاريخها، ولا رقمًا تذيبه الجماعة في روايتها، بل شخصٌ له كرامةٌ لا يمنحها له انتصارٌ ولا تنتزعها منه هزيمة؛ ومن هنا لا يصبح التاريخ إنسانيًا لمجرّد أنه يدوّن ما حدث، بل حين يرفض أن يجعل مجد الدول والجماعات أكبر من الإنسان الذي دُفع ثمنًا له.

وحين تحيط الإنسانية بالذاكرة، لا تطلب منها أن تنسى جرحها، بل ألّا تجعله أعمى عن جراح الآخرين؛ ولا أن تتخلّى عن حقها في العدالة، بل ألّا تحوّله إلى حقٍّ في ظلمٍ جديد؛ فهي تحفظ للضحية اسمها، من دون أن تسمح للألم بأن يصبح هويةً لا تعرف ذاتها إلا من خلال عدوّها.

وبالإنسانية أيضًا يصبح النسيان تمييزًا لا محوًا: ننسى ما يحرّرنا من الكراهية، ولا ننسى ما يحمينا من تكرار الجريمة؛ نترك الرغبة في الانتقام، ولا نترك الحقيقة؛ نغادر الماضي، لكننا لا نتخلّى عمّن بقوا فيه.

فالإنسانية هي التي تمنح التاريخ ضميره، والذاكرة عدالتها؛ من دونها يصبح التاريخ سجلّ الأقوى، وتصبح الذاكرة سلاح المجروح، ويضيع الإنسان مرةً في الحدث، ومرةً أخرى في روايته.

بلد "الذاكرات"

في لبنان، لا نعاني نقصًا في الذاكرة، بل فائضًا منها؛ لدينا ذاكرةٌ لكل جماعة؛ لكل طائفة شهداؤها وأبطالها ومجازرها وانتصاراتها، ولكل بيتٍ روايته عمّن بدأ، ومَن قاوم، ومَن خان، ومَن دفع الثمن؛ لكن هذه الذاكرات، على كثرتها، لم تلتقِ لتصنع تاريخًا مشتركًا، بل بقيت أوطانًا صغيرةً تتنازع الماضي داخل الوطن الواحد.

نروي الحروب من الخنادق التي وقفنا فيها؛ فما تسمّيه جماعةٌ مقاومةً تسمّيه أخرى اعتداءً، وما يرفعه طرفٌ نصرًا يحمله الطرف الآخر جرحًا، ومَن يُعلَّق اسمه في ساحةٍ بطلًا، قد تعيش أمٌّ في البيت المقابل وهي لا تذكره إلا بوصفه قاتل ابنها؛ ليست المشكلة أن ننظر إلى الحدث من مواقع مختلفة، بل أن يصرّ كل موقعٍ على أنه المكان الوحيد الذي تُرى منه الحقيقة.

ولهذا توقّفت حروبنا ولم تنتهِ؛ خرج المسلّحون من الشوارع، لكن المتاريس بقيت في الذاكرة؛ انتقلت الحرب من البنادق إلى الروايات، ومن خطوط التماس إلى البيوت والخطابات والمدارس، ثم ورثها أبناءٌ لم يسمعوا رصاصها؛ تعلّموا مَن يخافون ومَن يكرهون، قبل أن يعرفوا ماذا حدث، وحملوا أحكام الماضي قبل أن يمتلكوا حقّ مساءلته.

لقد صنعنا تسوياتٍ وزّعت السلطة، لكننا لم نصنع حقيقةً تعيد للضحايا أسماءهم؛ طوينا صفحاتٍ قبل أن نقرأها، وعفونا قبل أن نعترف، وطلبنا من الجرح أن يلتئم فيما بقي مَن سبّبه بطلًا في ذاكرة جماعته؛ وهكذا لم يُدفن الماضي؛ اختبأ تحت الحاضر، يستدعيه الزعماء كلما احتاجوا إلى إخافة جماعاتهم، وتُستخرج منه العداوات كلما اهتزّت المصالح.

لا يحتاج لبنان إلى روايةٍ رسمية تستبدل ذاكرةً بأخرى، ولا إلى كتابٍ يوزّع البراءة والذنب بالتساوي كي يرضى الجميع؛ يحتاج إلى تاريخٍ يضع كل الروايات تحت امتحان الحقيقة، ويعترف بأن المسؤوليات قد تختلف من دون أن تختلف قيمة الضحايا، وأن الجريمة لا تصبح بطولةً لأن مرتكبها من جماعتنا، ولا يفقد المقتول إنسانيته لأن اسمه من الجماعة الأخرى.

لن نكتب تاريخ لبنان حين يتخلّى كل طرفٍ عن ذاكرته، بل حين يمتلك الشجاعة ليراها من خارجها أيضًا؛ حين يروي ما فُعل به، ويعترف بما فعله؛ حين يحفظ شهداءه من دون أن يمحو ضحايا الآخرين، ويفهم أن الوطن لا يولد من اتفاق أبنائه على روايةٍ واحدة، بل من اتفاقهم على ألّا تكون الحقيقة طائفية، ولا الكرامة انتقائية، ولا الدم مختلف القيمة باختلاف الاسم.

مأساة لبنان ليست أنه نسي تاريخه، بل أن كل جماعةٍ حفظت ذاكرتها وسمّتها تاريخ لبنان؛ فبقي لنا ماضٍ واحدٌ حدث على أرضٍ واحدة، لكننا صنعنا منه بلدانًا لا بلدًا واحدًا، ودولًا داخل دولة لم تكتمل، ولبناناتٍ متعددة لا يجمعها إلا الاسم، فيما يفرّقها كل ما وضعناه في مضمونه؛ وهكذا لم تعد ذاكراتنا المتقابلة تمنعنا من كتابة تاريخٍ مشترك فقط، بل تمنعنا، حتى اليوم، من أن نصبح شعبًا واحدًا في وطنٍ واحد.

ما يتكرّر

كتب جورج سانتايانا (George Santayana) أن الذين لا يستطيعون تذكّر الماضي محكومون بتكراره؛ لكن تذكّر الماضي وحده لا يمنع عودته، فقد تحفظ الشعوب تواريخ حروبها كاملةً، ثم تعيد إنتاج أسبابها بأسماءٍ جديدة.

فالذاكرة قد تعلّمنا ألّا نكرّر الجريمة، وقد تعلّمنا كيف نبرّرها بصورةٍ أفضل؛ قد تجعلنا أكثر حساسيةً تجاه ألم الإنسان، وقد تجعلنا أكثر خوفًا من الآخر؛ والفرق لا يصنعه ما نتذكّره فقط، بل المعنى الذي نستخرجه مما نتذكّر.

إذا روينا لأبنائنا كيف ظُلمنا من دون أن نعلّمهم أن الظلم يبقى ظلمًا حين نمارسه نحن، فلن نمنع التاريخ من التكرار؛ سنغيّر مواقع أبطاله وضحاياه فقط؛ وإذا ورّثناهم أسماء أعدائنا من دون أن نفهم الأسباب التي صنعت العداوة، نكون قد سلّمناهم حربًا لم يختاروها، وطلبنا منهم أن يكملوها نيابةً عنّا.

لا تنقذنا معرفة تواريخ المعارك إذا بقي منطق المعركة حيًّا فينا؛ فالتاريخ لا يعود دائمًا بالوجوه والشعارات نفسها، بل يعود حين نكرّر الخوف والتعصّب والطاعة والظلم التي جعلته ممكنًا في المرة الأولى.

لا نتعلّم من التاريخ حين نحفظ ما فعله السابقون، بل حين نكتشف ما بقي منهم فينا؛ فالماضي لا يتكرّر لأننا نسيناه فقط، بل أحيانًا لأننا تذكّرناه بالطريقة الخطأ.

هذا لذكري

في الليلة الأخيرة، لم يطلب يسوع من تلاميذه أن يكتبوا سيرته، ولا أن يقيموا له نصبًا، بل أخذ خبزًا وكأسًا وقال: "اصنعوا هذا لذكري"؛ لم يجعل الذاكرة عودةً ذهنية إلى ما مضى، بل فعلًا يتجدّد، وحضورًا يتحول فيه ما حدث يومًا إلى معنى يُعاش الآن.

فالذكرى في الإيمان المسيحي ليست استحضار غائبٍ فقط؛ إنها مسؤولية تجاه ما تركه؛ أن نتذكّر يسوع لا يعني أن نحفظ كلماته وحدها، بل أن يصبح ما فعله طريقةً في حياتنا: أن نقترب من المتألّم، ونرى المنسي، ونغفر، ونكسر الخبز مع مَن لا مكان له إلى المائدة.

حتى الصليب، وهو جريمةٌ وقعت في التاريخ، لم يتحول في حياة تلاميذه إلى دعوةٍ للثأر ممّن صلبوه؛ بقي الجرح ظاهرًا، لكن معناه لم يبقَ أسير العنف الذي صنعه؛ لقد أصبحت ذكرى المظلوم دعوةً إلى ألّا نظلم، وذكرى الألم قدرةً على مرافقة المتألمين، وذكرى الموت وعدًا بأن النهاية لا تملك الكلمة الأخيرة.

وهنا تبلغ الذاكرة أسمى صورها: لا حين تحفظ الماضي كما هو فقط، بل حين تنقذ معناه من أن يموت معه؛ فما نتذكّره حقًا ليس ما نردّده، بل ما نسمح له بأن يصنعه فينا.

لم يقل يسوع: تذكّروا ما حدث لي، بل "اصنعوا هذا لذكري"؛ كأن الذاكرة لا تكتمل بما تحفظه من الماضي، بل بما تخلقه من محبةٍ في الحاضر.

ما نورّثه للغد

في النهاية، لا يعود الماضي إلينا كما حدث؛ فاللحظة لا تتكرّر، وبعض شهودها يرحلون، وتتبدّل ذاكرة الباقين، ولا ينجو منها إلا أثرٌ ووثيقةٌ وشهادةٌ وصمتٌ قد يخفي أكثر مما يقول.

لهذا لا نملك تاريخًا بالمعنى المطلق؛ نملك محاولاتٍ للاقتراب منه؛ لكن استحالة امتلاك الحقيقة كلّها لا تمنحنا حق اختراعها، ولا تجعل الرواية الموثّقة مساويةً للكذبة، ولا رواية الجلّاد التي تبرّر الجريمة مساويةً لشهادة الضحية عنها؛ وعدم قدرتنا على معرفة الحقيقة كاملةً لا يعفينا من البحث عنها، بل يحمّلنا مسؤوليةً أكبر في ألّا نملأ ما نجهله بما نرغب في تصديقه، وأن نقترب منها بأقصى ما نملك من أمانة.

أما الذاكرة، فلا يُطلب منها أن تكون محايدة؛ فهي تحفظ ما أحببناه وما فقدناه، وتحمل في داخلها رجفة الخوف وحرارة الحضور ووجع الغياب؛ لكنها تخون حقيقتها حين تنسى أنها أثر الحدث فينا، وتدّعي أنها الحدث كلّه؛ وحين تجعل من جرحنا براءةً دائمة، ومن ألمنا حقًّا في إنكار آلام الآخرين.

وهنا تبدأ مسؤولية الإنسانية: أن تمنح التاريخ ضميرًا، والذاكرة عدلًا؛ أن تُعيد إلى الرواية مَن أسقطتهم كتب المنتصرين، وأن تحفظ اسم الضحية من دون أن تجعل عدوّها ميراثًا لأبنائها؛ أن تطلب العدالة كي لا تتكرّر الجريمة، لا الانتقام كي يتبادل الضحايا والجلّادون مواقعهم إلى الأبد.

وفي لبنان، ليست المسألة خلافًا على قراءة الماضي فقط؛ إنها خلافٌ على لبنان نفسه؛ لقد حفظت كلُّ جماعةٍ ذاكرتها منفصلةً عن ذاكرة الآخرين، حتى صار لنا على الأرض الواحدة بلدانٌ كثيرة، وداخل الدولة الواحدة دولٌ متعدّدة، واسمٌ واحد هو لبنان، تختبئ تحته معانٍ لا تلتقي؛ وما دمنا نروي لأبنائنا ما فُعل بنا، ونخفي عنهم ما فعلناه بغيرنا، فسنبقى نورّثهم أوطاننا الصغيرة، ثم نطلب منهم أن يبنوا وطنًا لم نملك نحن شجاعة الاعتراف به.

لا نحتاج إلى ذاكرةٍ واحدة تفرضها سلطة، ولا إلى تاريخٍ يساوي بين الجريمة والضحية إرضاءً للجميع؛ نحتاج إلى حقيقةٍ لا تتغيّر بتغيّر الطائفة، وإلى كرامةٍ لا تتبدّل بتبدّل الاسم، وإلى شجاعةٍ تجعل كل جماعة تنظر إلى ماضيها بعيني مَن تألّموا منها أيضًا؛ عندها فقط يمكن لذاكراتنا أن تتجاور من دون أن تتقاتل، ولتاريخنا أن يصبح مساحة لقاءٍ لا خطَّ تماسٍ جديدًا.

وليس السؤال الأخير ماذا سنحفظ من الذين سبقونا، بل ماذا سيحفظ الذين سيأتون بعدنا منّا: هل نورّثهم لائحة أعدائنا، أم القدرة على ألّا يصنعوا أعداءنا من جديد؟ هل نسلّمهم جراحنا مفتوحةً، أم الحقيقة التي تمنع تكرارها؟ وهل نترك لهم ذاكراتٍ تحرس انقساماتنا، أم تاريخًا يساعدهم على أن يصبحوا شعبًا حيث عجزنا نحن؟

حين قال يسوع: "اصنعوا هذا لذكري"، لم يطلب أن تبقى ذكراه حكايةً عن الماضي، بل أن تصبح فعلًا في الحاضر؛ خبزًا يُكسَر، ومحبةً تُعاش، وإنسانًا لا يُترك وحده؛ وربما هنا تبلغ الذاكرة غايتها الأسمى: لا أن تجعل الغائبين أسرى ما حدث، ولا الأحياء أسرى ما ورثوا، بل أن تحوّل ما بقي من الأمس إلى مسؤوليةٍ تمنع ظلمًا جديدًا اليوم.

فالذاكرة تحدّد ما نحمله من الماضي، والتاريخ يكشف مقدار أمانتنا له؛ أمّا الإنسانية فتقرّر ماذا سنفعل بما حملناه؛ وحين نعجز عن تغيير ما حدث، يبقى أمامنا الخيار الأهم: ألّا نسمح له بأن يحدث، من خلالنا، مرةً أخرى.