يفتح توقّع الرئيس الأميركي دونالد ترامب إجراء محادثات إضافية مع إيران هذا الأسبوع نافذة دبلوماسية تحاصرها شروط متباعدة واستعدادات عسكرية متبادلة. فبعد رفضه المقترح الإيراني، أبقى ترامب التفاوض ممكنًا والضربات خيارًا حاضرًا، فيما تمسّكت طهران بمطالبها لإعادة فتح مضيق هرمز، وأعلنت استعدادها لأي هجوم جديد. وبين الموقفين، يبحث الوسطاء عن صيغة تسمح باستئناف حوار مثمر، وسط امتداد الصراع على الممرّات البحرية إلى باب المندب والبحر الأحمر.
تتركّز العقدة الأساسية في ترتيب الالتزامات ومقابلها. تريد إيران رفع الحصار البحري والعقوبات النفطية، وتطالب بالإفراج عن أصول إيرانية مجمّدة بقيمة نحو 12 مليار دولار وبوقف إطلاق النار إقليميًا، مقابل إعادة فتح هرمز واستئناف المحادثات خلال أسبوع. وفي المقابل، تطالب واشنطن بتنازلات نووية ترى أنها تبرّر تخفيف الضغط. بذلك، يسعى كلّ طرف إلى تحصيل المكسب الأهمّ قبل التخلّي عن أدواته: طهران تتمسّك بورقة الملاحة، والإدارة الأميركية تستثمر الحصار والعقوبات لدفعها إلى اتفاق أشدّ تقييدًا.
وتكشف تصريحات ترامب لموقع "أكسيوس" هذا التباعد، إذ اعتبر أن الإيرانيين يريدون اتفاقًا كان يمكن قبوله قبل عام، وأنهم بالغوا في تقدير أوراق قوّتهم. بالتوازي، يمنح انتظار وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ردًّا رسميًّا عبر الوسطاء مساحة لاستمرار الاتصالات رغم الرفض العلني. وهنا تتحرّك قطر بمقترح توفيقي وتعديلات متبادلة، بعدما نقلت الرسائل بين عراقجي والمبعوثين الأميركيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر في نيويورك. ويظلّ نجاحها مرهونًا بتحويل الاستعداد للكلام إلى التزامات قابلة للتنفيذ والتحقّق.
وتثقل تجربة تفاهم حزيران المنهار أي محاولة جديدة. فالخلاف على شروط عبور السفن أعاد المواجهة بعدما كان الاتفاق يمهّد لفتح المضيق وإطلاق المفاوضات النووية. لذلك، يحتاج أي ترتيب مقبل إلى حسم قواعد الملاحة وتوقيت رفع القيود وآلية التعامل مع الخروقات. ويزيد التعقيدَ تصريحُ مسؤول إيراني لوكالة "رويترز" برفض التنازل عن التخصيب أو نقل اليورانيوم العالي التخصيب إلى الخارج، بما يُضيّق هامش التسوية في جوهر الملف الذي تتمسّك واشنطن بإدراجه.
في الأثناء، ترفع الرسائل العسكرية كلفة التعثّر. فقد أكّد الجيش الإيراني جاهزيته للمواجهة، وربط قائده أمير حاتمي قدرة الآخرين على التجارة بقدرة إيران عليها. وتوحي هذه المعادلة باستمرار استخدام الممرّات البحرية للضغط، بينما توسّع الخزانة الأميركية جهود العزل الاقتصادي. أما إعلان ترامب عبور كميات كبيرة من النفط عبر هرمز، فيخدم محاولته إظهار تراجع فاعلية الورقة الإيرانية، مع بقاء استقرار الملاحة موضع اختبار.
وعلى الضفة الأخرى من شبه الجزيرة العربية، يضع التصعيد الحوثي السعودية أمام تهديد يطاول منفذها النفطي عبر البحر الأحمر، بعدما ازدادت أهميته بفعل اضطراب هرمز. ومن هنا تبرز دلالة إعلان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إرسال جنود ورادارات وأنظمة دفاع لحماية ميناء ينبع. فالدعم الفرنسي يربط حماية الشريك السعودي باستمرار صادرات الطاقة والحدّ من ارتفاع أسعار المحروقات، في ترجمة عملية لتداخل أمن الخليج والمصالح الأوروبية.
ووصف وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو المهمّة بأنها "دفاعية بحتة"، محدّدًا نطاقها وفق الاحتياجات السعودية والقدرات الفرنسية وتطوّر الوضع. غير أن نشر الجنود يثير داخل فرنسا أسئلة بشأن احتمالات استهدافهم وحدود الانخراط. وبذلك، يصبح نجاح المهمّة مرتبطًا بقدرتها على حماية المنشآت وردع الهجمات واحتواء مخاطر توسّع المواجهة.
تدخل المنطقة أسبوع التفاوض تحت ضغط هذه الجبهات المتشابكة. وسيُقاس التقدّم بمدى الاتفاق على تسلسل واضح لفتح الممرّات وتخفيف العقوبات ومعالجة الملف النووي. وحتى يتبلور ذلك، تبقى الوساطة القطرية أمام اختبار انتزاع تنازلات متبادلة، فيما تختبر التعزيزات الفرنسية إمكان حماية تدفّقات الطاقة وسط صراع يستخدم تعطيلها وسيلة لتحسين شروط التفاوض.