هل تسعى طهران إلى فتح جبهة إرهاب في قلب أوروبا؟ سؤال يفرضه إحباط مخطط إرهابي قرب قاعدة فيرفورد البريطانية، التي تستخدمها القوات الجوية الأميركية، بعدما أجازت لندن انطلاق عمليات منها ضد مواقع إطلاق صواريخ إيرانية تستهدف سفنًا في مضيق هرمز. فالقاعدة تجمع بين ثقل عسكري أميركي وقرار سياسي بريطاني، ما يجعل استهدافها محاولة لضرب واشنطن وإرهاب لندن في آن واحد. وإذا أثبتت التحقيقات صلة النظام الإيراني بالمخطط، فستكون الرسالة أبعد من حدود القاعدة: نقل النار إلى أراضي الدول التي تساهم في اعتراض صواريخه، وجعل أمنها الداخلي رهينة للمواجهة المفتوحة معه.
توقيف خمسة رجال، وفحص ثلاث شاحنات، وإخلاء نحو 85 منزلًا، مؤشرات إلى جدّية الخطر الذي تعاملت معه السلطات. ويضيف إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن المشتبه بهم خضعوا للمراقبة منذ وقت طويل بُعدًا استخباراتيًا إلى العملية. ومع ذلك، تبقى هوية الجهة المحرّكة وطبيعة الوسائل المضبوطة وسلسلة إصدار الأوامر مسائل مفتوحة، وسط تحقيق لم يعلن رسميًّا مسؤولية دولة بعينها، ولو أن الشبهات تحوم حول طهران.
تتقدّم الفرضية الإيرانية استنادًا إلى ترابط الدافع والهدف والتهديد السابق. فبحسب المعطيات المتوافرة، سبق لـ "الحرس الثوري" الإيراني أن حذّر بريطانيا من مغبة السماح لقاذفات أميركية بالإقلاع من قاعدة فيرفورد، واعتبر القواعد المشاركة في الضربات أهدافًا مشروعة. كما نقلت وكالة "رويترز" عن مصدر مطّلع ترجيح دافع مرتبط بإيران. وتمنح كلّ هذه العناصر الفرضية وزنًا واضحًا.
وتستمد هذه القراءة قوّتها أيضًا من سوابق موثّقة. فقد أورد تقرير لجنة الاستخبارات والأمن في البرلمان البريطاني أن أجهزة إيران تستخدم جماعات مرتبطة بالنظام، وشبكات إجرامية، وأحيانًا متشدّدين إسلاميين لتنفيذ أنشطة بالوكالة. وتناول التقرير تهديدات صادرة عن "الحرس الثوري" ووزارة الاستخبارات.
ضمن هذا النمط، يمكن تصوّر إدارة خلية عبر عناصر مرتبطة مباشرة بالجهاز الراعي، أو تكليف وسطاء يستعينون بعصابات محلّية، أو تقاطع خدمات مع جهات متطرّفة. وتُتيح هذه العلاقات جمع الدافع السياسي بالمنفعة المالية، وتوسيع المسافة بين صاحب القرار والمنفّذ. وقد فرضت لندن عقوبات على شبكة "فوكستروت" وزعيمها، متّهمة إيّاها بتنفيذ أعمال عنف في أوروبا لحساب النظام الإيراني. أما وجود ترتيب مماثل في فيرفورد فيظلّ فرضية، لكنها قويّة.
وتبقى روسيا ضمن دائرة الاحتمالات. فقد حذّر جهاز "أم آي 5" من نشاط للاستخبارات العسكرية الروسية يشمل التخريب والحرق وإثارة الفوضى في بريطانيا وأوروبا. ومن هذا المنظور، قد يخدم استهداف منشأة تستخدمها القوات الجوّية الأميركية مصلحة موسكو في استنزاف منظومة الحماية الغربية ورفع كلفة انتشارها العسكري. غير أن المصلحة المحتملة والسجل السابق يحتاجان إلى رابط مادي بالقضية لإثبات المسؤولية.
وعند تقاطع المصالح الإيرانية والروسية، تتدرّج الاحتمالات من استفادة متوازية من الحادث إلى استخدام وسطاء متداخلين أو تنسيق مباشر. ولكلّ مستوى متطلّبات إثبات مختلفة. فالتقاء الخصمين على إضعاف الغرب يفسّر إمكان التقاطع، بينما تظلّ فرضية العملية المشتركة محتاجة إلى أدلّة مستقلّة. كذلك، يبقى احتمال تحرّك إسلاميين متشدّدين بدافع ذاتي قائمًا، وفق المسارات التي أوردها المصدر المطّلع لـ "رويترز".
أمنيًا، يكمن الاختبار التالي في تفكيك شبكة الإسناد المحتملة وفهم العلاقة بين المراقبة السابقة وبلاغ المواطنة الذي سبق التوقيف. فهذا التسلسل يستدعي تقييم كيفية انتقال المعلومات إلى تدخّل ميداني، ومدى وجود امتدادات حول منشآت أخرى. ويعكس تشديد الحماية في قواعد أخرى تستخدمها أميركا التعامل مع خطر إرهابي قد يتجاوز موقعًا واحدًا.
سياسيًا، من شأن ثبوت توجيه إيراني أن يرفع كلفة التعامل مع طهران، ويدفع نحو عقوبات وملاحقات أوسع لشبكاتها. وثبوت دور روسي سيضع القضية ضمن المواجهة الأوروبية مع التخريب المنظّم وسط "حرب هجينة" مُندلعة. أما ثبوت التنسيق بينهما فسيكشف مستوى أخطر من تداخل الجبهات. وحتى اكتمال الأدلّة، تبقى فيرفورد اختبارًا لقدرة لندن وواشنطن على تحويل نجاح التوقيف إلى كشف سلسلة المسؤولية، وصولًا إلى من موّل وخطّط وأصدر الأمر، وجعلهم يدفعون الثمن.