ماذا لو تحوّلت سنوات من النظرات الجارحة والفرص الضائعة والأسئلة التي لا تنتهي إلى حكاية تُروى على خشبة المسرح؟ ماذا لو خرجت التجارب التي عاشها إنسان بسبب لون بشرته من حيّز الألم الشخصي لتصبح قضية عامة تضع المجتمع أمام مرآته؟ لكن، ماذا لو لم تكن الحكاية عن الألم وحده، بل عن القدرة على تجاوزه أيضًا؟ في هذه الأجواء تأتي مسرحية "درجة تانية"، لتستعيد من خلالها سمر صالح محطات من تجربتها بين التمييز والعنصرية والتنمّر، وهي تجارب لم تمنعها من الإصرار على النجاح وبناء حياتها وتحقيق ذاتها. العمل، من كتابة ديمتري ملكي وإخراج شادي الهبر، انطلقت عروضه مساء أول من أمس الخميس، بمشاركة الممثل غسان قوجة، على "مسرح المونو" في الأشرفية.
حكاية شخصية
بدأ كل شيء بفكرة أولية عمل عليها المخرج شادي الهبر مع سمر صالح، التي يعرفها من خلال عملها في "مسرح المونو". طلب منها ذات مرّة أن تخبره قصتها، فاستجابت وفتحت أمامه صفحات من حياتها وما حملته من تجارب ومواقف مرتبطة بلون بشرتها ومكانتها في المجتمع. أرسل الهبر تفاصيل ما روته إلى الكاتب ديمتري ملكي، الذي تولّى تحويلها إلى نص مسرحي في إطار درامي متكامل.
بالنسبة للهبر، المسرح في جوهره، ينقل قصص الناس ويسلّط الضوء على حقائق موجودة في مجتمعاتنا، ومنها قضية التمييز العنصري التي تتمحور حولها "درجة تانية". فالمسرح، كما يقول الهبر لـ "نداء الوطن"، ليس مجرد حكاية تُروى، بل وسيلة يمكن أن تترك في ذهن المشاهد فكرة أو عبرة بعد إسدال الستارة. من هذا المنطلق، يرغب مخرج المسرحية في أن تصل رسالة واضحة إلى الجمهور: "لا للعنصرية"، وأن يدرك الإنسان أهمية احترام الآخر بوصفه إنسانًا، بعيدًا من لون بشرته أو أصله أو انتمائه. كما يأمل أن تحمل تجربة سمر صالح رسالة أخرى تتعلق بالقوة والمقاومة والاستمرار، وبقدرة الإنسان على التمسّك بحلمه والوصول إلى النجاح رغم الصعوبات.
الاختزال مرفوض
حين تحدّث شادي الهبر مع ديمتري ملكي عن تحويل قصة سمر إلى نص مسرحي، لم تكن الفكرة محصورة بقصتها وحدها، بل اتفقا أيضًا على إمكان تحويل قصص أشخاص مؤثرين إلى أعمال مسرحية. وجاءت قصة سمر، بما تحمله من أحداث وتجارب، نموذجًا أول لهذا التوجّه. لكن الكاتب يرفض اختزال ما عاشته بطلة عمله في حادثة واحدة أو اثنتين. بالنسبة إليه، قصتها غنية ومليئة بالتفاصيل والأحداث المؤثرة، ولذلك تعامل معها بوصفها تجربة إنسانية متكاملة، لا مجرد واقعة منفردة.
ملكي يرى في حديثه إلى "نداء الوطن"، أن للمسرح دورًا أساسيًا في طرح القضايا الاجتماعية، لأنه قادر على تقريبها من الناس وجعلها أكثر وضوحًا وحضورًا، مشبّهًا ذلك بترميم الصور القديمة، فتبرز تفاصيلها بصورة أنقى وأوضح. وبالمثل، حين تنتقل القضية الاجتماعية إلى الخشبة، تصبح أكثر قربًا من الناس، وتمنحهم فرصة مشاهدتها وسماعها والتفاعل معها مباشرة.
ضوء على المهمّشين
تروي سمر صالح من جهتها أن فكرة العمل المسرحي تعود إلى فترة الحرب الإسرائيلية على لبنان، حين كان فريق "مسرح المونو" ينظّم ورش عمل بهدف استلهام أفكار من داخل المسرح وتجارب العاملين فيه. في تلك المرحلة، قرّر شادي الهبر تقديم عمل يتناول التنمّر. وبعد حديثهما، بدأت الفكرة تتبلور، لتتّسع لاحقًا وتشمل مجموعة من القضايا، أبرزها التنمّر والعنصرية والنجاحات الصغيرة رغم العراقيل والتحديات.
عنوان المسرحية لم يكن محسومًا منذ البداية، بحسب حديث سمر صالح إلى "نداء الوطن". طُرحت عناوين أكثر حزنًا ومباشرة، من بينها "السوداء"، و "العبدة"، و "بلاك سوان". لكن "درجة تانية" استقرّ في النهاية عنوانًا للعمل، لأنه يلخّص، بطريقة رمزية، النظرة التي واجهتها الفتاة طوال حياتها: نظرة تضع الإنسان ذا البشرة السمراء في مرتبة أدنى، وتتعامل معه باعتباره "درجة تانية" مقارنة بغيره من اللبنانيين.
وتكشف صالح أنها واجهت التمييز العنصري في حياتها الشخصية والمهنية على حد سواء، فقد خسرت فرصًا عدة بسبب لون بشرتها. وحتى خلال عملها ممرضةً، واجهت موقفًا مؤلمًا حين رفضتها إحدى المريضات وأبدت اشمئزازها منها لمجرد كونها سمراء البشرة. كما تتذكر سمر صالح أيضًا أنها سمعت نساءً يسخرن منها ومن مستواها المعيشي، من دون أن يعرفن أنها تتحدث العربية وتفهم ما يقلنه.
هذه التفاصيل، بالنسبة إليها، هي التي تجعل "درجة تانية" أكثر من مجرد قصة شخصية. إنها محاولة لتسليط الضوء على فئة مهمّشة ومظلومة، ليس في لبنان فقط، بل في مجتمعات مختلفة حول العالم. فبالنسبة إليها، يستحق الإنسان، أيًا كان لون بشرته، أن يعيش بكرامة ومساواة وعدل.
الانتماء والجنسية
في حديثها معنا، تلفت سمر صالح إلى أن أكثر ما يؤلمها هو مسألة الجنسية اللبنانية التي لم تنلها حتى اليوم، رغم أن لبنان هو البلد الذي عاشت فيه حياتها. فوالداها تعارفا في لبنان وتزوّجا فيه، وهي لم تغادر الأراضي اللبنانية طوال حياتها، لذلك تشعر بانتمائها إلى لبنان كأي لبناني آخر.
تقول صالح إنها تقدّمت بطلب للحصول على الجنسية في ثمانينات القرن الماضي، لكنها، بحسب روايتها، لم تحصل عليها، في وقت حصل فيه العديد من الأجانب على الجنسية. كما أن غياب الأوراق اللبنانية الرسمية سبّب لها صعوبات كثيرة، وقد دفعت مبالغ ورسومًا على مرّ السنوات من دون أن تصل إلى نتيجة. لكن الأمر، بالنسبة إليها، لا يتوقف عند الأوراق، إذ إن حاجتها إلى كفيل لإتمام معاملاتها تزيد شعورها بالتمييز، وهي تربط ذلك أيضًا بلون بشرتها.
من هنا، تطرح "درجة تانية" سؤالا أوسع: كيف يمكن لإنسان أن يعيش عقودًا في بلد، ويتحدث لغته ويعمل فيه، ثم يبقى، مع ذلك، في موقع "الآخر"؟
مسرحية "درجة تانية"، إذًا، ليست فقط دعوة إلى رفض العنصرية، بل حكاية عن القوة والإصرار والقدرة على تحويل الألم إلى نجاح، ودعوة إلى أن نرى الإنسان قبل لونه، وأن نمنحه حقه في الاحترام والمساواة. فالإنسان لا يولد "درجة تانية"، إنما نحن من نصنّفه كذلك حين نحكم عليه قبل أن نعرفه.

