بين ما تمنحه المرأة للآخرين وما تحتفظ به لنفسها، تتشكّل حكاية "دنيا". امرأة تمضي بين أدوار ومسؤوليات كثيرة، تحاول أن توازن بين الأمومة والحب، بين التضحية وتحقيق الذات، وبين الصورة التي يُراد لها أن تكون عليها والمرأة التي تحلم بأن تكونها. وفي هذا التقلّب المستمر بين القوة والهشاشة، والفرح والانكسار، تبحث "دنيا" عن نفسها وسط حياة لا تمنحها دائمًا الوقت الكافي لالتقاط أنفاسها.
من 16 إلى 27 أيلول 2026، تُقدّم الممثلة ندى أبو فرحات العرض المسرحي "دنيا"، من تأليف وإخراج زياد نجّار، على "مسرح دوار الشمس" في الطيونة - بيروت (قبل الانتقال إلى مسارح أخرى لاحقًا)، مصطحبة الجمهور إلى عالم امرأة تختزن في داخلها حكايات ومشاعر وأسئلة تشبه تفاصيل الحياة اليومية للعديد من النساء والأمهات: امرأة تحاول، رغم ثقل الأدوار التي تحملها، ألا تفقد صوتها وحضورها وحلمها.
لكن "دنيا" لا تكتفي برواية الحكاية على المسرح، بل تفتح الخشبة على الحياة نفسها، لتلتقي القصة المسرحية بتجارب نساء حقيقيات. وفي هذا السياق، تأتي الأمسية الخاصة التي تنظّمها أسرة العرض المسرحي بالتعاون مع جمعية "Fifty-fifty" في 24 أيلول الجاري، لتحتفي بالأمهات العازبات وتسلّط الضوء على قصص نساء واجهن تحديات الحياة وثقل المسؤولية، وحوّلن ظروفهن إلى نقطة انطلاق نحو النجاح والحضور وتحقيق الذات. هنا، تتقاطع الحكايات الحقيقية مع الحكاية المسرحية، ويتحوّل المسرح إلى مساحة للحوار والاعتراف والاحتفاء.
فما سيبدأ على الخشبة بشخصية واحدة، سوف يتّسع ليصبح حكاية مجتمع، وما يبدو قصة امرأة، قد يكون في الحقيقة صدى لحكايات نساء كثيرات ينتظرن فقط من يمنحهن المساحة ليُسمعن أصواتهن، ويُروين قصصهن، ويخرجن من الظل إلى الضوء.
من الواقع
تكشف الممثلة ندى أبو فرحات أن أكثر ما جذبها إلى هذا العمل منذ البداية هو قصته القريبة جدًّا من واقع النساء، وخصوصًا الأم اللبنانية التي تعيش ضغوطًا متواصلة ويومية، إلى جانب تعدد المشاعر التي تمر بها الشخصية، وهو ما شكّل بالنسبة إليها مساحة غنية للتجربة واللعب التمثيلي.
في "دنيا"، وجدت أبو فرحات، بحسب ما تقول في حديثها مع "نداء الوطن"، تفاصيل يومية قد تبدو عادية، لكنها تحمل في داخلها الكثير من الضغط والتعب والتناقضات التي تعيشها نساء كثيرات. وتقول إن الشخصية لا تنحصر بحالة شعورية واحدة، بل تنتقل بين مجموعة واسعة من الأحاسيس، فهي، بحسب وصف أبو فرحات، ليست امرأة قوية أو متوازنة نفسيًا، بل على العكس، وقد وجدت في عدم توازنها تحديًا تمثيليًا حقيقيًا. لذلك عملت على الشخصية بشكل مكثف وتدربت عليها كثيرًا، محاولة الدخول إلى تفاصيلها وفهم تركيبتها النفسية وتقلّباتها، الأمر الذي منحها فرصة للبحث والتعمق في أدواتها كممثلة.
وإضافة إلى القصة والشخصية، وجدت أبو فرحات نفسها مأخوذة بالموسيقى التي ترافق العرض، والتي سيعزفها زياد نجّار مباشرة على المسرح. فالموسيقى تضيف ميزة خاصة إلى المسرحية، وتمنحها بعدًا مختلفًا، خصوصًا أنها لا تأتي كعنصر منفصل عن العرض، بل تتداخل مع التجربة المسرحية وترافق الشخصية ومشاعرها على الخشبة.
دلالة أوسع
عنوان المسرحية، "دنيا"، يتجاوز من جهته اسم الشخصية الرئيسة في العرض، ليحمل دلالة أوسع وأعمق. اختاره مؤلفها زياد نجّار مختصرًا بكلمة واحدة عالمًا كاملا من التجارب والمشاعر التي تحملها "دنيا" على الخشبة وفي الحياة. و"دنيا" هنا هي الحياة بكل ما تختزنه من مراحل ومحطات، بما تحمله من أفراح وأحزان، وصعوبات وتقلبات، وانتصارات وانكسارات.
وترى أبو فرحات من جانبها أن الحياة لا يمكن اختزالها في صورة وردة أو شوكة، بل هي، كما تصفها، كتلة أحاسيس ولحظات تتأرجح باستمرار بين الجميل والقبيح، وبين ما يمنحنا الفرح وما يترك فينا أثرًا من الألم.
لستم وحدكم
لا تريد بطلة العرض أن يكتفي الجمهور بمشاهدة "دنيا" من مقعد المتفرج، بل تراهن على أن يجد كل مشاهد شيئًا من ذاته في الشخصية وفي تفاصيل العمل. وتتمثل رسالتها الأساسية في أن يشعر الآباء والأمهات، وسواهم من المشاهدين، بأنهم ليسوا وحدهم في مواجهة ما تفرضه الحياة من عراقيل وضغوط وتحديات، وأن ما يمرون به ليس استثناءً، بل جزء من التجربة الإنسانية بكل ما فيها من تعقيد وتناقض.
فالمسرحية، بحسب الممثلة ندى أبو فرحات، تشبه كل فرد بطريقة أو بأخرى، لأنها لا تقدم نموذجًا مثاليًا أو إجابات جاهزة، بل تقترب من الإنسان في ضعفه وقوته، وفي لحظات تردده وقراراته وخياراته. من هنا تأمل أن يغادر المشاهد القاعة وهو يحمل معه شيئًا من الطمأنينة، بأن ما يفعله في حياته قد لا يكون مثاليًا دائمًا، لكنه ليس بالضرورة خاطئًا أو سيئًا. فالحياة لا تُقاس دائمًا بمعايير ثابتة تفصل بوضوح بين الصواب والخطأ، بل هي مساحة رحبة من التجارب والمشاعر والخيارات، نخطئ فيها ونتعلم، نتراجع ونتقدم، ونحاول في كل مرة أن نفهم أنفسنا أكثر.
مساحة غموض
الملصق الإعلاني للعرض المسرحي يحمل مساحة من الغموض، إذ تظهر فيه أبو فرحات مع شابة أصغر منها سنًّا، هي ممثلة مبتدئة (كريستا ميدع) أتاح لها أستاذها زياد نجّار خوض هذه التجربة معه. لكن أبو فرحات تفضّل في حديثها معنا عدم الكشف عن تفاصيل إضافية تتعلق بدور الفتاة أو طبيعة العلاقة التي تجمعها بالشخصية، حفاظًا على الحبكة الدرامية وترك التفاصيل لتُكتشف على المسرح.
في الخلاصة، "دنيا" حكاية امرأة قد يجد كل مشاهد فيها تفصيلا يشبهه، أو موقفًا مرّ به، أو شعورًا خبّأه يومًا. وعندما ينتهي العرض، ربما يأخذ كل مشاهد معه أمرًا مختلفًا: ابتسامة، فكرة، ذكرى، أو حتى شعورًا بأنه ليس وحده في هذه الدنيا!



