اختتم البابا لاوون الـ 14 أمس، في مدينة ميتز قرب الحدود مع ألمانيا، زيارة تاريخية استمرّت أربعة أيام إلى "الابنة البكر للكنيسة الكاثوليكية". وشدّد البابا على الجذور المسيحية للاتحاد الأوروبي وضرورة إحلال السلام في القارة العجوز. واتّسمت زيارة البابا إلى ميتز برمزية بالغة الأهمية، إذ إن السيطرة على المدينة انتقلت بين فرنسا وألمانيا خلال صراعات سابقة، كما تشكّل مسقط رأس روبرت شومان، وزير الخارجية الفرنسي الراحل الذي يُعدّ من الآباء المؤسّسين للاتحاد الأوروبي، وهو اليوم مرشّح للتطويب في الكنيسة الكاثوليكية.
جزم البابا بأنه "لا يُمكن الحديث عن أوروبا من دون ذكر المسيحية"، مستشهدًا بقول شومان: "علّمت المسيحية المساواة الطبيعية بين جميع البشر، كأبناء لله نفسه، ومفتدين بالمسيح نفسه، من دون تمييز في العرق أو اللون أو الطبقة أو المهنة. إنّ الشريعة الشاملة للمحبة والإحسان جعلت من كلّ إنسان قريبًا لنا، وعليها تقوم العلاقات الاجتماعية في العالم المسيحي منذ ذلك الحين". وأشاد البابا بنجاح الاتحاد الأوروبي في "هدم الجدران التي كانت تقسّمه".
وبينما لم يذكر الحبر الأعظم أوكرانيا بالاسم، تطرّق إلى عودة الحرب إلى أوروبا، داعيًا إلى "الشجاعة في التفاوض والاستعداد للتخلّي عن بعض المواقف من أجل الخير الأسمى المتمثّل في السلام"، في وقت تواجه فيه الدول الأوروبية هجمات روسية هجينة بشكل متزايد مع تعثّر تقدّم الجيش الروسي على الجبهات في أوكرانيا، الأمر الذي قد يؤدّي إلى مواجهة مباشرة لا تُحمد عقباها في القارة الأوروبية التي دفعت فاتورة باهظة لحربين عالميّتين.
وفي وقت يضغط فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب على حلفاء "الناتو" لزيادة الإنفاق العسكري، أقرّ البابا بأن "السعي إلى السلام في أوروبا، كما في سائر أنحاء العالم، يجب ألّا يُخلط بنوع ساذج من النزعة السلمية". غير أنه حذّر أيضًا من "الوهم بأن إعادة التسلّح هي الحلّ". واعتبر أن العلاقات بين الدول أصبحت أقلّ تحضّرًا على نحو متزايد، في ظلّ تباهي البعض بـ "الأكاذيب والخداع"، داعيًا أوروبا إلى المساعدة في كسر هذه الحلقة وتعزيز الاحترام في العلاقات الدولية. كما حضّ على الوحدة في وقت تزداد فيه قوّة الحركات القومية في أوروبا، الأمر الذي حذّر منه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. وشدّد البابا على أن "اسم الله" لا يمكن أبدًا استخدامه "لتبرير العنف أو القمع".
وطوال رحلته في فرنسا العلمانية، بدا البابا مبتسمًا وودودًا، ومتفاعلًا بسهولة مع الحشود، إذ اجتذب 800 ألف مؤمن إلى قدّاس في الهواء الطلق في باريس السبت، في أكبر تجمّع تشهده العاصمة منذ فوز فرنسا بكأس العالم عام 2018. وفي الليلة السابقة، نجح البابا، البالغ 71 عامًا، في ملء ملعب بـ 80 ألف شاب يهتفون له. والتقى الحبر الأعظم في مدينة لورد الأحد سبعة من ضحايا اعتداءات جنسية ارتكبها رجال دين، بعدما تعهّد بمواصلة الجهود لإصلاح الكنيسة. وأمضى البابا، الشغوف بالطيران، نصف ساعة في قمرة قيادة طائرة "إير فرانس" التي أقلّته إلى ميتز الاثنين، كما منح بركته لطواقم مقاتلات "رافال" التي كانت ترافق طائرته. لاحقًا، جال في شوارع ميتز على متن السيارة البابوية، وترأس قدّاسًا في كاتدرائية سان ستيفن، وهي إحدى روائع العمارة القوطية المشهورة بنوافذها الزجاجية الملوّنة. وحضر ماكرون وعقيلته بريجيت القدّاس.