فادي خلف: السؤال لم يعد هل ستُردّ الودائع بل كيف ومن سيدفع؟

5 دقائق للقراءة
فادي خلف

أكد الأمين العام لجمعية مصارف لبنان فادي خلف أن إقرار قانون إصلاح المصارف ينقل النقاش إلى قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع، معتبراً أن السؤال لم يعد ما إذا كانت الودائع ستُرد، بل كيفية ردّها، والجهة التي ستتحمل الكلفة، والمدة الزمنية، والموارد التي ستُستخدم في ذلك.

وقال خلف، في افتتاحية التقرير الشهري لجمعية المصارف: «أُقرّ قانون إصلاح المصارف، وانتقل النقاش الآن إلى القانون الذي سيحدد فعلياً مصير الودائع: قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع. السؤال لم يعد نظرياً. لم يكن السؤال: هل نريد ردّ الودائع؟ فالجميع يريد ذلك. السؤال الأصح: كيف ستُردّ هذه الودائع؟ من سيدفع؟ خلال أي مدة؟ وبأي موارد؟».

وأشار إلى ما وصفه بالمعضلة التي طرحها رئيس لجنة المال والموازنة النائب إبراهيم كنعان في حديث إعلامي في 11 حزيران الماضي، حين تساءل عن كيفية تأمين الأموال لتسديد مبلغ المئة ألف دولار، محذراً من الوصول بعد سنوات إلى تعثر جديد.

وقال خلف إن القانون الذي «يَعِد المودع بالسداد، من دون أن يحدد بوضوح مصادر السيولة وآليات التنفيذ، لا يعالج الأزمة»، معتبراً أنه قد ينقلها «من وعد باسترداد الوديعة إلى أزمة جديدة حتمية».

ورأى أن طرح الأسئلة العملية يجب أن يسبق إقرار الجداول الزمنية والمهل، متوقفاً عند مصير المودعين في حال إحالة عدد كبير من المصارف إلى التصفية.

وأوضح أن الدراسات التقنية التي أعدها مستشارون عالميون تشير إلى أن تطبيق مشروع القانون الذي أرسلته الحكومة إلى مجلس النواب، من دون تعديل جوهري في توزيع الأعباء ومصادر التمويل، قد يؤدي إلى تصفية عدد لا يستهان به من المصارف.

وبحسب خلف، تضم هذه المصارف نحو 550 ألف حساب وأكثر من 29 مليار دولار من الودائع، متسائلاً: «من سيردّ هذه الودائع في حال التصفية؟ وهل هناك جهة قادرة فعلاً على الحلول مكان المصرف الذي ستتم تصفيته؟».

وفي ما يتعلق بصندوق ضمان الودائع، قال خلف إن إمكاناته الحالية لا تسمح بتغطية ودائع بهذا الحجم. كما حذّر من افتراض أن تصفية أصول المصارف ستؤمن سريعاً السيولة اللازمة للمودعين، مشيراً إلى ضرورة احتساب مدة التصفية وكلفتها والانخفاض المتوقع في قيمة الأصول عند بيعها تحت الضغط.

واعتبر أن التصفية «مسار طويل ومعقد»، وقد تترك المودع سنوات في الانتظار، لينتهي الأمر في كثير من الحالات إلى استرداد جزء محدود من حقوقه.

وفي ما يخص المصارف القابلة للاستمرار، حذّر خلف من استنزاف سيولتها خلال السنوات الأولى، مشيراً إلى أن المصرف الذي يُطلب منه المساهمة في رد الودائع، وإعادة تكوين رأسماله، وتمويل الاقتصاد، وتأمين التزامات طويلة الأمد، يجب ألا يُحمّل أعباء تتجاوز قدرته.

ورأى أن المسألة لا تتعلق فقط بالمصارف التي ستتم تصفيتها، بل أيضاً بتحديد الشروط التي تتيح للمصارف الباقية العودة إلى دورها الطبيعي، وجذب رساميل جديدة، واستعادة ثقة المودعين والمستثمرين.

كما تساءل خلف عن مدى قدرة المهل الزمنية المعلنة على الصمود في حال لم تتوافر السيولة اللازمة، محذراً من أن تحديد جدول زمني للسداد من دون موارد فعلية قد يؤدي إلى تعثر جديد.

وقال إن أي مهل زمنية يجب أن تسبقها دراسة معمقة للسيولة الفعلية لدى الدولة ومصرف لبنان والمصارف، «حتى لا يتحول القانون إلى وعد جديد يتعذر تنفيذه».

وتطرق خلف إلى مسألة احتساب الخسائر، مشدداً على أنه «لا يجوز احتساب الخسارة مرتين». وأوضح أنه إذا كانت بعض الودائع ستخضع لاحقاً للتنقية، سواء بسبب فوائد غير اعتيادية أو عمليات متاجرة بالشيكات أو عناصر أخرى سيُعاد تقييمها، فيجب إجراء هذه التنقية قبل تحديد الخسائر النهائية ورؤوس الأموال المطلوبة.

وقال: «فلا يجوز أن تُحسب الخسارة مرة على الوديعة، ثم تُحسب مرة ثانية على رأسمال المصرف»، معتبراً أن العدالة تكون بتحديد الأعباء بدقة قبل توزيعها.

وفي ما يتعلق بمساهمة مصرف لبنان، أكد خلف ضرورة تحديد الموارد التي ستُستخدم لتمويلها، متسائلاً عما إذا كانت ستأتي من موجودات قابلة للتسييل، أو من أموال ناتجة عن مساهمة الدولة في معالجة الخسائر، أو بصورة مباشرة أو غير مباشرة من الاحتياطي الإلزامي العائد للمصارف لدى مصرف لبنان.

وأضاف أنه إذا كان جزء من المساهمة سيأتي من الاحتياطي الإلزامي، فإن السؤال يصبح «ماذا يبقى بعد استنفاذه؟».

وشدد خلف على ضرورة تحديد مساهمة الدولة في معالجة الأزمة، معتبراً أن قانون الانتظام المالي لا يمكن أن ينجح إذا اقتصر على توزيع الخسائر على المصارف والمودعين، أو جعل مساهمة الدولة مسألة مؤجلة أو غامضة.

وقال إن الأزمة التي نشأت، بحسب تعبيره، من خلل في المالية العامة وسياسات الاقتراض والإنفاق وفي علاقة الدولة بمصرف لبنان، لا يمكن حلها «من دون مساهمة واضحة من الدولة»، موضحاً أن هذه المساهمة تعني «موارد فعلية، وآليات واضحة، وجدولاً قابلاً للتنفيذ».

وفي الخلاصة، دعا خلف إلى عدم إقرار قانون «يَعِد بما لا يستطيع تنفيذه»، أو وضع جدول زمني لا تقابله موارد فعلية، أو اعتماد تصفية واسعة من دون تحديد كيفية ردّ الودائع بعدها.

وقال إن اللبنانيين «دفعوا ثمناً باهظاً بسبب التأخر في اتخاذ القرار»، معتبراً أن المطلوب اليوم ليس التعويض عن هذا التأخر بالتسرع، بل «الانتقال من بطء القرار إلى جودة القرار».

وختم بالتأكيد أن «لا ردّ حقيقياً للودائع من دون مصادر سيولة حقيقية، ولا نهوض اقتصادي من دون قطاع مصرفي قادر على التسليف، ولا ثقة من دون وضوح في المسؤوليات وآليات التنفيذ»، محذراً من أن يؤدي غياب ذلك إلى «إنتاج تعثر جديد يطال الجميع».

وقال: «حذار من الحسابات الخاطئة، حتى لا يُلدغ المودعون والقطاع المصرفي من الجحر مرتين».