الياس دمّر

في "Heart of the Beast": رجل وكلب يواجهان ندوب الحرب

3 دقائق للقراءة

في الظاهر، يبدو "Heart of the Beast" فيلم نجاة تقليديًا، مع طائرة تتحطّم في برّية ألاسكا، ورجل وحيد يكافح البرد والجوع والإصابات والحيوانات المفترسة بحثًا عن طريق العودة. لكنّ المخرج David Ayer، في عودته إلى العمل مع النجم Brad Pitt بعد فيلم "Fury" عام 2014، يبدّل مركز الثقل تدريجيًا. فالمعركة الحقيقية ليست بين الإنسان والطبيعة بقدر ما هي بين رجل وندوب الحرب التي يحملها، ويرافقه كلبه حاملا الندوب نفسها!

يلعب Pitt دور "James Belmont"، الجندي السابق في القوات الخاصة، فيما يجسّد الكلب "Odin" شريكه في الخدمة والحياة. كلاهما خرج من الحرب ناقصًا. فقد "Odin" ساقًا، فيما يحمل "James" جراحًا جسدية ونفسية لا تختفي بمجرد خلع الزي العسكري. لذلك، تبدو الرحلة إلى البرّية، في بدايتها، أشبه بمحاولة علاج صامت، فيها عزلة بعيدًا عن الضجيج البشري، قبل أن تتحوّل الطبيعة نفسها إلى اختبار قاسٍ للبقاء. وهنا تكمن إحدى أكثر نقاط الفيلم إثارة للاهتمام.

فالطبيعة ليست مجرد خلفية تصويرية، بل شخصية درامية كاملة. تتحوّل الغابة والأنهار والجبال إلى فضاء عدائي يفرض إيقاعه على الشخصيات. وفي أفضل مشاهده، يستخدم Ayer المكان لتكثيف الإحساس بالوحدة، فيما تجعل اللقطات الواسعة الإنسان ضئيلا أمام اتساع العالم من حوله. أما نيوزيلندا، التي أضحت ألاسكا في الفيلم، فتحوّلت إلى مسرح بصري يجمع بين الجمال المهيب والخطر الكامن.


اعتراف العيون

المفاجأة الأجمل أن السينما الصامتة بين الرجل والكلب أكثر تأثيرًا من العديد من مشاهد الحركة. لا يحتاج "Odin" إلى الحوار كي يصبح شخصية. نظرة، حركة رأس، تردّد قصير أو اقتراب من "James" تكفي لصناعة علاقة عائلية كاملة. وفي ذلك تظهر قيمة الأداء غير اللفظي، إذ ينجح الفيلم في تحويل الحيوان من عنصر مساعد إلى شريك درامي حقيقي، حتى يكاد يسرق الفيلم من نجمه البشري.

ويعتمد Ayer على السينما الجسدية لإيصال معاناة "James"، بين السقوط والنزيف وكسور العظام والبرد والإرهاق والقتال من أجل أبسط مقومات الحياة. فالجسد هنا ليس مجرد أداة للحركة، بل سطح تُكتب عليه آثار الحرب. وفي المقابل، تأتي ذكريات الماضي العسكري على شكل ومضات مضطربة، فتربط بين عنف الطبيعة وعنف الذاكرة. أما تصميم الصوت، فيمنح الفيلم بعض أكثر لحظاته حميمية. فحين يهدأ كل شيء، يصبح تنفّس "Odin" نفسه جزءًا من الموسيقى الداخلية للمشهد.

ومن المفارقات أن الفيلم يكون أقوى عندما يصمت... عندما نسمع خطوات الرجل، وأنفاس الكلب، وخرير الماء أو صرير الخشب، بدلا من أن يشرح لنا ما ينبغي أن نشعر به.


البقاء من أجل الآخر

قد لا يعيد "Heart of the Beast" ابتكار أفلام البقاء على قيد الحياة (Survival Movies)، كما أن بعض مؤثراته البصرية تذكّرنا أحيانًا بحدود هذا النوع. لكنه يعثر على قلبه الحقيقي في مكان آخر: في علاقة كائنَين جريحَين، يتشبّث كل منهما بالآخر كي يستمر.

وهكذا يتحوّل عنوان الفيلم من إشارة إلى الوحش الخارجي إلى سؤال أعمق: أين يسكن الوحش فعلا؟ في البرّية التي تحاصر الإنسان، أم في الحرب التي لا تغادره حتى بعد انتهائها؟

يستحق فيلم "Heart of the Beast" أن تُخاض رحلته في عتمة صالة السينما، حيث يصبح هدير الطبيعة أقرب، ويغدو الصمت نفسه لغة تُسمع... تجربة تذكّرنا لماذا تظل السينما، في أبهى تجلياتها، مغامرة لا تُستبدل بشاشة صغيرة.