بيار فؤاد اسطفان

مشكلة التزوير ترافق المستندات... انتبهوا

6 دقائق للقراءة

منذ أن أصبح للمستند قيمة في إثبات حق أو معاملة أو سلطة، رافقته مشكلة أخرى: محاولة تغيير حقيقته أو تقليده أو اصطناعه.

فالمستند ليس مجرد ورقة. فقد تكون كلمة فيه، أو توقيع، أو ختم، أو رقم، أو تاريخ، أساسًا لإثبات حق أو نقله أو إسقاطه. ومن هنا نشأت، إلى جانب المستند، الحاجة إلى حمايته والمحافظة على أصله والتحقق من سلامته.

وهذه المشكلة ليست وليدة العصر الحديث، ولم تبدأ مع الطباعة أو الحاسوب. فمنذ قرون، دفعت مخاطر التزوير السلطات إلى وضع قواعد واحتياطات للتحقق من الوثائق، وإلى معاقبة من يزوّرها أو يستعملها.

ومن أقدم الأمثلة التشريعية المهمة في هذا المجال قانون كورنيليا بشأن التزوير (Lex Cornelia de falsis)، الذي يعود إلى سنة 81 ق.م. وقد تطورت أحكامه وتطبيقاته، وشملت صورًا متعددة من التلاعب بالوصايا والوثائق والأختام، كما تناولت النصوص المرتبطة به أفعالًا مثل الكتابة الكاذبة، والاستبدال، والإخفاء، والمحو، والتلاعب بالختم. والأهم أن بعض الأحكام الرومانية المتعلقة بالوثائق الخاصة والعامة اهتمت بطريقة إغلاقها وربطها وختمها؛ فقد ورد أن بعض الوثائق كانت تُثقب وتُربط بخيط، ثم توضع أختام من الشمع على الخيط، بحيث تؤدي الكتابة الخارجية وظيفة حماية لما هو مكتوب في الداخل.

وهنا تظهر منذ ذلك العصر فكرة لا تزال حاضرة حتى اليوم: حماية المستند لا تكون بالعقوبة وحدها، بل بحماية أصله وسلامة وسيلة توثيقه أيضًا.

ومن أشهر الأمثلة التاريخية على خطورة الوثيقة غير الأصيلة «هبة قسطنطين»، وهي وثيقة نُسبت إلى الإمبراطور قسطنطين وظلت قرونًا تُعامل باعتبارها صحيحة، قبل أن يكشف لورنزو فالا في القرن الخامس عشر، من خلال التحليل اللغوي والتاريخي، عدم أصالتها.

لكن التاريخ لا يكشف لنا مشكلة التزوير فحسب؛ بل يكشف أيضًا عن تطور وسائل مواجهته.

ففي سنة 1198، تناول البابا إنوسنت الثالث تزوير الوثائق البابوية، وأشار إلى عدد من صور التزوير، شملت التغيير في الأسماء والتواريخ والتوقيعات والأختام، والمحو والكتابة فوق الكتابة. كما تناولت التعليمات كيفية التعامل مع الوثائق المشكوك فيها، وفرضت احتياطات على تداول بعض الوثائق البابوية وحفظها والتحقق من مصدرها.

وهذه النقطة تستحق التوقف عندها: منذ قرون طويلة كان هناك إدراك بأن الوثيقة لا تُقرأ من مضمونها وحده، وأن شكلها ومادتها وطريقة إصدارها وختمها وآثار التعديل فيها يمكن أن تكون موضع فحص للتحقق من أصالتها.

وفي العهد العثماني، نجد بدورنا عناية خاصة بالوثائق السلطانية وتمييزها وحمايتها. وكانت الطغراء العلامة السلطانية المميزة التي تتصدر الفرمانات والوثائق السلطانية، وتشكل علامة رسمية مرتبطة بالسلطان والجهة التي صدرت عنها الوثيقة. وكانت للوثائق السلطانية خصائص وعلامات مادية وشكلية تساعد على تمييزها، إلى جانب منظومة إدارية وقضائية اهتمت بالشهادة والوثائق الرسمية ومواجهة التزوير.

ولم تكن هذه الاحتياطات ترفًا إداريًا؛ فالوثيقة المزوّرة يمكن أن تنتج أثرًا حقيقيًا: حقًا يُدّعى، أو مالًا يُطالب به، أو منصبًا يُنتحل، أو قرارًا يُنسب إلى سلطة لم تصدره.

واللافت أن كثيرًا من الأساليب التي عرفها الماضي لم تختفِ مع مرور الزمن.

ومنها:

التتبع: نقل خط أو توقيع أصلي بوسيلة مباشرة، كالورق الشفاف أو الضغط أو الكربون.

النقل البصري والتصوير: استعمال صورة أو نسخة من توقيع أو ختم أو جزء من مستند وإدخاله في مستند آخر، وهي فكرة تطورت أدواتها مع التصوير والطباعة والوسائط الرقمية.

الحشو والحشر: إضافة كلمات أو أرقام أو عبارات إلى مستند قائم، بما يؤدي إلى تغيير مضمونه دون إزالة النص الأصلي كله.

المحو: إزالة كتابة أو رقم أو تاريخ بوسائل مادية أو كيميائية، ثم إجراء تغيير في موضعها.

القطع والتركيب: فصل جزء من مستند أو صورة أو توقيع أو ختم وإدخاله في تركيب آخر.

وهذه الأساليب، وإن تغيرت أدوات تنفيذها، ما زالت تمثل مبادئ معروفة في التلاعب بالمستندات.

ثم جاءت الطباعة والتصوير والنسخ، فوسعت إمكانات إنتاج المستندات وتقليدها. وبعدها ظهرت معالجة الصور والوثائق الرقمية، فأصبح بالإمكان إجراء تعديلات على صورة المستند دون أن تمس اليد الورقة الأصلية بالضرورة.

واليوم يضيف الذكاء الاصطناعي تحديًا جديدًا؛ إذ أصبح إنشاء الصور والنصوص وتعديل المواد الرقمية ومحاكاة بعض خصائص الكتابة أو المحتوى أكثر سهولة وتعقيدًا، بحيث لا تكفي العين المجردة دائمًا للحكم على الأصالة.

لكن وسط هذا التطور كله تبقى قاعدة أساسية لا يجوز إغفالها:

حماية المستند تبدأ بحماية أصله والتمسك به.

فالمستند الأصلي يحتوي، في كثير من الحالات، على معلومات مادية لا تظهر في النسخة المصورة أو الرقمية. وقد تكشف الورقة والحبر وآثار الكتابة والمحو والإضافة والتتابع بين العناصر معلومات قد تضيع عند الاكتفاء بصورة أو نسخة.

لذلك فإن المحافظة على الأصل ليست مسألة شكلية. إنها جزء من المحافظة على الدليل نفسه.

وهنا تأتي أهمية الخبرة.

فالخبير لا يحكم على المستند من انطباع سريع، ولا يجعل علامة واحدة أساسًا لنتيجة نهائية، بل يفحص المؤشرات المتاحة ويقارن الخصائص ويدرس الكتابة والتوقيع والورق والحبر وآثار الإضافة أو المحو أو التعديل، وفق طبيعة المستند وحالته وما هو متاح للفحص.

والعلم وحده لا يكفي إذا غاب الالتزام المهني. فالضمير يحدد إطار العلم: يمنع التساهل، ويمنع غض النظر عن مؤشر، ويفرض على الخبير أن يلتزم بما تكشفه الأدلة، وألا يتجاوز حدودها أو يفرض عليها نتيجة مسبقة.

أما تقدير الدليل وآثاره القانونية وتحديد المسؤولية، فتبقى من اختصاص القضاء.

من التشريعات الرومانية القديمة، إلى الوثائق البابوية، إلى الفرمانات العثمانية وعلاماتها السلطانية، ثم إلى المستندات الورقية والرقمية، يظهر أن المشكلة واحدة في جوهرها، وإن تغيرت أدواتها:

هل المستند الذي أمامنا أصلي، أم طرأ عليه تغيير؟

هذا السؤال قديم، لكنه لم يفقد شيئًا من أهميته. بل إن التطور التقني يجعله أكثر إلحاحًا.

فقد يتغير القلم، ويتغير الورق، ويتغير الختم، وقد تحل الصورة الرقمية محل الوثيقة الورقية، وقد تدخل الكمبيوتر والذكاء الاصطناعي في إنشاء المحتوى أو تعديله.

لكن واجب الحماية لا يتغير:

احموا مستنداتكم، تمسكوا بها، واستعينوا بنسخة طبق الأصل عنها في معاملاتكم اليومية التي لا تستوجب إبراز الأصل نفسه.

فالعين ترى، والعلم يفحص، والضمير المهني لا يتساهل ولا يغض النظر عما تكشفه الأدلة.

مشكلة التزوير ترافق المستندات ... فانتبهوا.

بيار فؤاد اسطفان
خبير تدقيق خطوط وتزوير
محلف لدى المحاكم منذ 1995