فريد خداج

لبنان ومعضلة السجين: حين تصبح العقلانية مأزقًا

5 دقائق للقراءة

لفهم جزء من المأزق السياسي اللبناني، قد يكون من المفيد أن نبدأ من مكان يبدو بعيداً جداً عن بيروت: نظرية الألعاب.

نظرية الألعاب ليست نظرية سياسية في الأصل بل فرع من الرياضيات والاقتصاد بدأت صياغته مع العالم جون فون نيومان والاقتصادي أوسكار مورغنسترن، اللذين نشرا عام 1944 كتاب Theory of Games and Economic Behavior، بهدف إدخال عنصر الاستراتيجية والتفاعل بين اللاعبين إلى التحليل الاقتصادي: ليس فقط ماذا أريد أنا، بل ماذا سأفعل وأنا أعرف أن الطرف الآخر يفكر بي وبما سأفعله.

ثم جاء جون ناش عام 1950 بأشهر مفاهيم النظرية: توازن ناش (Nash equilibrium). وهو وضعٌ لا يملك فيه أي لاعب حافزاً لتغيير استراتيجيته منفرداً إذا بقي الآخرون على استراتيجياتهم. والأهم أن توازن ناش لا يعني بالضرورة أن النتيجة جيدة أو عادلة؛ يمكن أن يكون النظام مستقراً، وفي الوقت نفسه سيئاً لجميع اللاعبين.

وهنا نصل إلى معضلة السجين: تخيّل شخصين متهمين بجريمة، جرى فصلهما عن بعضهما. أمام كل منهما خياران: أن يتعاون مع الآخر ويلتزم الصمت، أو أن يخونه.

إذا صمت الاثنان، تكون العقوبة خفيفة على الاثنين. وإذا خان أحدهما بينما صمت الآخر، يحصل الخائن على مكسب أكبر، ويتحمل الآخر العقوبة الأكبر. أما إذا خان الاثنان، فيتعرض كلاهما لعقوبة أسوأ من حالة تعاونهما. بالتالي، يبدو لكل سجين أن القرار الأكثر عقلانية على حدة هو أن يخون الآخر.

لنفترض الآن أن مواطناً لبنانياً ينتمي إلى طائفة معينة. هو يعلم أن زعيم الطائفة أداءه السياسي سيئ. لكن قراره الانتخابي لا يحدث في فراغ؛ هو يعلم أن الطوائف الأخرى لديها زعماؤها أيضاً، ويعلم أن هؤلاء الزعماء يملكون شبكات سياسية وأمنية وخدماتية، وأن النظام السياسي نفسه قائم على توزيع السلطة عبر بنية طائفية. فلا يسأل: «هل أريد تغيير زعيمي؟» بل: «ماذا سيحدث إذا غيّرت زعيمي بينما لم يغيّر الآخرون زعماءهم؟»

وهنا تبدأ اللعبة الحقيقية.

إذا غيّرت الجماعات معاً، يمكن أن ينشأ توازن سياسي جديد. لكن إذا غيّرت جماعة واحدة فقط بينما بقيت الأخرى خلف زعمائها، فستجد نفسها في موقع أضعف داخل النظام القديم. وذلك ليس بالجيد لأنه عندما تضعف الدولة، يصبح الزعيم وسيطًا معها أو بديلاً جزئيًا عنها، قادرًا على تقديم مكتسبات كالجامعة أو المستشفى أو الوظيفة العامة. عندها، يصبح انتخابه وسيلة للحفاظ على الخدمات التي قد لا تضمن له الدولة بديلاً عنها.

بالتالي، إذا اعتقدت كل طائفة أن الطوائف الأخرى ستبقى خلف زعمائها، يصبح منطقياً بالنسبة إليها أن تتمسك بزعيمها هي أيضاً. وهكذا يتشكل ما يمكن تسميته توازناً سيئاً لكنه مستقر: الكل يعرف أن النظام لا يعمل جيداً، لكن الكل يخشى أن يكون أول من يتخلى عن آلياته. ولا يحتاج الأمر إلى قناعة بالنظام؛ بل يكفي الإعتقاد بأن الآخرين لن يغيّروه.

17 تشرين: للحظة، تغيّرت اللعبة

تجربة انتفاضة 17 تشرين مهمة جداً. للحظة، بدا وكأن اللعبة تغيّرت عندما انتقل الشارع من «من يغيّر أولاً؟» إلى «كيف نغيّر معاً؟» فأثبتت أن اللبنانيين يستطيعون الاجتماع حول مطالب مشتركة. لكنها أثبتت أيضاً أن الشعور الوطني وحده لا يكفي لبناء مشروع سياسي قادر على الصمود أمام منظومة خلقت لعبة يكون فيها التغيير الفردي مكلفاً، والتغيير الجماعي صعب التنسيق، وجعلت من نفسها الفريق الذي يملك الملعب والحكم والقدرة على إيقاف اللعبة.

لكن لأن النظام اللبناني لا يعطي القوى الطائفية نفوذاً انتخابياً فقط، بل يجعلها جزءاً من البنية التي تتوزع من خلالها السلطة، فإن الزعماء لا يعملون كلٌّ بمعزل عن الآخر. لذلك، إذا نجحت انتفاضة 17 تشرين في شيء، فهو كسر هذا الترابط بين أركان النظام وجعل كل طرف ينشغل أكثر بإعادة ترتيب موقعه داخل بيئته، تارةً من خلال توسيع شبكة التقديمات الاجتماعية، وتارةً أخرى بتحميل الآخرين مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع.

حرب الإسناد: القشّة التي قصمت ظهر النظام

مع بدء حرب الإسناد، إنتقل النقاش من إسقاط الطبقة السياسية إلى الرؤية حول شكل الدولة والسياسة الخارجية والسلاح ودور الجيش. لذلك، كان من الطبيعي لدى الطوائف التي تمتلك سردية مكتملة أن تتشكل رؤية واضحة للمستقبل الذي تريد بناءه.

ومن هنا، برزت رؤيتان مختلفتان: طرف يعمل لتثبيت موقع لبنان ضمن المحور الايراني، وطرف آخر يسعى الى نزع السلاح وإلى بناء مسار من السلام بين لبنان وإسرائيل. في كلتا الحالتين، رؤية تتخلى عن العقد الاجتماعي الحالي وتعتبر أن أي تنازل للطرف الآخر هو تهديد لمستقبلها. وهكذا يقود توازن ناش إلى نتيجة يخسر فيها الجميع رغم تصرف كل طرف بما يراه عقلانيًا.

لكن اللافت أن هناك حالة تبدو أكثر تعقيدًا في هذه المعادلة وهي المجموعة الثالثة التي يُفترض أن يدفعها عدم تعاون الطرفين الآخرين إلى عدم التعاون بدورها. إلا أنها لا تزال تتمسك بالنظام القائم، لا بل تحاول إعادة إنتاجه رغم أن الظروف التي قام عليها لم تعد قائمة. هذا ما فتح في داخلها نقاشًا حادًا حول غياب أي مشروع للمستقبل ينطلق من مصالحها الخاصة، وما إذا كان إعادة تعويم العقد الاجتماعي الحالي لا يزال يخدمها بعد أن ذُوبت هويتها على مدى العقود الماضية ونُقلت من موقع مركزي في قلب المعادلة اللبنانية إلى هامشها. ومن هنا، امتد النقاش إلى كيفية قراءة ماضيها وعلاقاتها مع المكونات الأخرى، باعتبار أن الإجابات عن هذه الأسئلة ستحدد شكل المستقبل وموقعها فيه.

وهكذا تحديدًا، كيف أصبحت العقلانية في لبنان مأزقًا.