ثمّة نصوص في تاريخ الدول تتحوّل، بمرور الزمن، من أدوات لتنظيم الواقع إلى ملاذات للهروب منه. واتفاقية الهدنة اللبنانية–الإسرائيلية، الموقّعة في رأس الناقورة في 23 آذار 1949، واحدة من هذه النصوص: كلّما ضاق الأفق استُحضرت كأنها جواب جاهز، وكلّما اقترب لبنان من طاولة التفاوض رُفعت في وجهه كأنها بديل مكتمل. وقد أعاد وليد جنبلاط طرحها أخيرًا بوصفها الأساس الذي كان على الدولة أن تتمسّك به في مسارها التفاوضي، وهو موقف يستحقّ النقاش بقدر ما يستحقّ الاحترام، لأنه صادر عن رجل خبر الحرب والتسوية، وعاش اتفاق 17 أيار وإسقاطه.
غير أنّ السؤال الذي لا يجوز القفز فوقه هو الآتي: هل ما زال نصٌّ عمره سبعة وسبعون عامًا، تراكمت فوقه الحروب والاحتلالات والتفاهمات الموازية، قادرًا وحده على أن يحمي أمن الجنوب ومستقبله؟ وإذا كان الجواب بالنفي، فما البديل عن التفاوض: العودة إلى نصٍّ معطَّل، أم الإقامة الدائمة في حربٍ مفتوحة؟
وُلدت الاتفاقية تنفيذًا لقرار مجلس الأمن رقم 62 لعام 1948، وبوساطة أممية قادها رالف بانش، وأعلنت في متنها أنها خطوة نحو الانتقال من الهدنة إلى سلام دائم. اعتمدت خطّ الحدود الدولية خطًّا للهدنة، وقيّدت الوجود العسكري على جانبيه بقوى دفاعية، وأنشأت لجنة هدنة مشتركة لمراقبة التنفيذ وفضّ الخلافات. لم تكن إذًا تسوية نهائية، بل ترتيبًا مؤقتًا صُمّم ليُستكمَل بالتفاوض. وهنا المفارقة الأولى: أن يُطلب من نصٍّ وُضع تمهيدًا للتفاوض أن يصير بديلًا منه.
لا يحتاج المرء إلى كثير عناء ليدرك أنّ الاتفاقية لم تصمد أمام التاريخ. فبعد حرب حزيران 1967 أعلنت إسرائيل سقوط اتفاقيات الهدنة مع الدول العربية، بما فيها لبنان الذي لم يشارك في الحرب، وتعطّلت لجنة الهدنة المشتركة عمليًا. صحيح أنّ لبنان والأمم المتحدة تمسّكا بنفاذها، لكنّ نصًّا يتمسّك به طرف ويتنكّر له آخر يغدو حجّةً في الخطاب لا قاعدةً في الميدان.
ثم توالت المحطات: غارة مطار بيروت في كانون الأول 1968 التي دمّرت أسطولًا مدنيًا كاملًا، واتفاق القاهرة عام 1969 الذي تنازلت فيه الدولة نفسها عن احتكار القرار العسكري في الجنوب، فأفرغت الاتفاقية من داخلها قبل أن يفرغها العدو من خارجها. وجاءت عملية الليطاني عام 1978 والقرار 425، ثم اجتياح 1982 وحصار بيروت، فاتفاق 17 أيار الذي أُبرم ثم أُلغي، فحربا 1993 و1996 اللتان أنتجتا «تفاهم نيسان» ولجنة مراقبة لا صلة لها بلجنة الهدنة.
وفي عام 2000 رسمت الأمم المتحدة «الخط الأزرق» خطًّا للانسحاب لا حدودًا، وبعد حرب 2006 استند القرار 1701 إلى اتفاقية الهدنة للتذكير بالحدود المعترف بها دوليًا، من دون أن يُحيي آلياتها. وفي تشرين الثاني 2024 وُلدت «الآلية» الخماسية لمراقبة وقف الأعمال العدائية. الخلاصة التي تفرض نفسها: كلّ أزمة كبرى أنتجت آليتها الخاصة خارج الاتفاقية؛ وهذا بالضبط ما يعنيه أن يبقى النصّ قائمًا في القانون ومتوقّفًا في الواقع.
التمييز هنا ضروري ودقيق. فالاتفاقية لم تُلغَ وفق أصول القانون الدولي، واتفاق الطائف نصّ صراحةً على التمسّك بها، وهذا رصيد قانوني لا يجوز التفريط به. لكنّ نفاذ النصّ شيء، وقدرته على تنظيم الواقع شيء آخر. لقد تغيّرت الظروف التي أُبرم في ظلّها تغيّرًا جوهريًا: فاعلون مسلّحون من غير الدول، صواريخ دقيقة، طائرات مسيّرة، حدود بحرية وثروات غازية لم يعرفها مفاوضو 1949.
والدليل الأبلغ أنّ لبنان، حين احتاج عام 2022 إلى ترسيم حدوده البحرية، لم يجد في نصّ الهدنة ما يسعفه، فذهب إلى تفاوض غير مباشر برعاية أميركية أنتج اتفاقًا. بل إنّ جنبلاط نفسه أقرّ بأنّ الاتفاقية تحتاج إلى «إضافات» لأنّ زمنها لم يعرف المسيّرات. وهذا الإقرار، على وجاهته، يحسم النقاش: فالإضافات لا تُكتب بقرار من طرف واحد، بل على طاولة، أي بالتفاوض.
على هذا الأساس، السؤال الجوهري الذي ينبغي أن يُوجَّه إلى كلّ معترض، بكثير من الاحترام وقليل من المجاملة: إذا لم يكن التفاوض، فما البديل؟ الحرب؟ لبنان المنهَك اقتصاديًا والمدمَّر جنوبه لا يملك ترف حرب جديدة. استمرار الوضع الراهن؟ إنه احتلال لنقاط من أرضه وغارات يومية بلا أفق. العودة إلى الهدنة؟ إنّ إحياءها لا يتمّ بإعلان أو بيان، بل يقتضي جلوس الطرفين إلى الطاولة والاتفاق على آليات تطبيقها، أي يقتضي تفاوضًا.
هكذا يتبيّن أنّ الثنائية المطروحة بين «الهدنة» و«التفاوض» ثنائية زائفة؛ فالهدنة نفسها لا تعود إلا عبر التفاوض. ويبقى الاعتراض على أداء المفاوض أو على سقوفه مشروعًا ومطلوبًا، بل هو من صلب الرقابة الديمقراطية، لكنّه أمرٌ مختلف تمامًا عن جعل نصٍّ من منتصف القرن الماضي سقفًا لمفاوضات تجري في ربعه الأول من القرن الحادي والعشرين.
ختاما، ليس المطلوب رمي اتفاقية الهدنة في أرشيف التاريخ، بل وضعها في مكانها الصحيح: مرجعًا قانونيًا ضمن مراجع أخرى، إلى جانب الطائف والقرارين 425 و1701، أرضيةً ينطلق منها المفاوض لا سقفًا يتوقّف عنده. وعلى هذه الأرضية يمكن بناء ما عجزت عنه الهدنة: تثبيت الحدود البرية المعترف بها، انسحاب إسرائيلي كامل، حصرية السلاح بيد الدولة، آلية تحقّق حديثة تملأ الفراغ الذي سيخلّفه انتهاء مهمة «اليونيفيل»، وضمانات دولية لا تسقط عند أول اختبار.
إنّ الأمم التي تُحسن قراءة تاريخها لا تسكن فيه. والهدنة كانت جسرًا عبرناه نصف عبور ثم توقّفنا في منتصفه سبعة عقود. والبقاء في منتصف الجسر ليس سياسة، بل انتظار. أما السياسة، فهي أن نكتب، بإرادة لبنانية جامعة، نصًّا جديدًا يليق بدولة قرّرت أخيرًا أن تكون صاحبة قرارها.