لا يستحق لبنان تضحياته فقط بل البشرية المؤمنة بحرية المعتقد والفكر والسياسة.
بولس نعمان أو الأباتي لم يكن مجرد شخصية يموت الحلم برحليها بل تستقي الحياة من موتها أشعة وأنوارا…
هو في شخطة قلمه موقف، في بحة صوته صمود، في كتبه انجيل لبناني فينيقي بحت…
في مارونيته صومعة، في لبنانيته ارزة، في خطاباته برق.
في المحن رفيق. للمسيرة نور وداعم لها.
قلت له ذات يوم: مجلة المسيرة ستطفىء أنوارها!
انتفض قائلا: كيف؟ لماذا؟
شرحت مطولا.
"اتصل بميشال اده" الذي بدوره كان له دور كبير في مساعدة طلاب الجامعة. ولبى الوزير اده النداء.
من ثم اتصل بأحدهم الذي بدوره أنقذ مجلة المقاومة من الإقفال.
يوم الانفجار الكبير الذي أودى بحياة الشهيد رفيق الحريري كنا سويًا في مكتبه. ما إن استمعنا الى الخبر المشؤوم نظر الى نافذته وهو لا يدرك ماذا يقول.
" طلعت ورقتو من السوريين… الآن ابتدأ الألم يوحد اللبنانيين... قم انزل وحرّك الطلاب". وهكذا فعلت.
لقد قدنا مسيرة شعلة الحرية سيرًا على الاقدام من الجامعة حتى ساحة الشهداء. كان يتصل بي مرارًا ليطمئن.
استشهاد الشيخ بيار الجميل مزق شرايين قلبه.
"ما هذه الوحوش. ما هذا القدر الأليم الذي يتربّص بتلك العائلة؟"
مراحل سوادء مررنا بها ومشقات كثيرة أكانت داخلية أم وطنية.
"إياك وتستسلم للشر، للمحتل، للطاغي أيًّا يكن لونه ومذهبه ودينه"
"ادخل المطعم يا بني وإياك أن تدخل المطبخ"
ماذا تقصد سألت: "إن دخلت المطعم ترى كل شيء جميل لكن إن دخلت المطبخ تغوص بأوساخه".
لم اكن أفهم جيدًا مقولته التي كان دومًا يرددها إليّ إلا عندما غصت في ذاك المطبخ…
بولس نعمان أيّها الصوت الصارخ في تاريخ لا يكتب إلا بأنامل سماوية أرقد حيث يرقد الكبار، و حلق عاليًا فوق نيازك المجد ونجوم الأبدية…
وداعًا صديقي، في تلك السماوات نلتقي لنجول ثانية سويًا.