نحن أمام نكبة متواصلة، لا أفق واضحاً للخروج منها، ولا يبدو أن المشكلة تقتصر على الحرب وما خلفته من موت ودمار وتهجير، ولا على الانهيار الاقتصادي والمالي، ولا على تعطّل المؤسسات والهجرة وفقدان فرص العمل وتراجع قدرة الناس على بناء مستقبلهم. فهذه كلها، على فداحتها، نتائج ظاهرة لأزمة أعمق ربما لم نمنحها ما تستحقه من اهتمام: أزمة المسؤولية.
والمقصود بالمسؤولية هنا ليس البحث السريع عن شخص أو فئة حزبية أو دينية لتحميلها كل ما جرى، ولا الدخول في السجال اللبناني المعتاد حول من بدأ ومن ردّ ومن تسبب ومن استفز ومن كان يملك الحق. فهذه أسئلة لها مكانها، لكنها قد تحجب سؤالاً أكثر بساطة وعمقاً، ماذا تفعل الجهة التي اتخذت القرار، عندما تكتشف أن قرارها أدى إلى نتائج كارثية، أو إلى نتائج مختلفة جذرياً عما وعدت به أو توقعته؟ فالخطأ في ذاته ليس ظاهرة استثنائية. الأفراد يخطئون، والمؤسسات تخطئ، والدول تخطئ، والقادة يخطئون. ولا يمكن إدارة مجتمع أو دولة أو صراع معقد من دون احتمال الخطأ في الحساب والتقدير. والمجتمعات تختلف في ما يحدث داخلها بعد الخطأ. هناك فرق كبير بين مجتمع يتدرب الفرد على تحمل مسؤولية خطئه بنفسه قبل الوصول الى أن يحمله المجتمع المسؤلية من خلال القضاء، الانتخابات، البرلمان، أجهزة الرقابة، الصحافة، الرأي العام، لتبدأ المسؤولية في معناها الإنساني قبل ذلك كله، أي من داخل الانسان. وبين مجتمع ينصرف فوراً إلى إنتاج الروايات التي تبرر ما حدث وتحمي أصحاب القرار من السؤال والمحاسبة، ونكون بذلك امام شطب المسؤولية الأخلاقية التي هي واحدة من اهم عناصر بناء المجتماعات المعاصرة، حيث تتوزع الشراكة في بناء امكانيات المحاسبة على اكثر من مستوى: المجتمع وهو شريك في صناعة ثقافة المحاسبة او تعطيلها، فعندما نصف كل من يراجع موقفه بأنه متقلب، وكل من يعترف بخطئه بأنه ضعيف، وكل من ينتقد جماعته بأنه خائن، فنحن ننتج بيئة اجتماعية تجعل المكابرة أكثر ربحاً من الاعتراف.
وعندما نصفق للمسؤول حين يرفض الاعتراف بأي خطأ، ثم نشكو من غياب المحاسبة، فنحن نشارك في إنتاج المشكلة. فثقافة المسؤولية تبدأ قبل السياسة فهي تبدأ في الأسرة عندما يستطيع الأب أن يقول لابنه أخطأت، وفي المدرسة عندما يستطيع الأستاذ مراجعة معلومة، وفي المؤسسة عندما يستطيع المدير الاعتراف بقرار سيئ، وفي الحزب عندما يستطيع العضو نقد قيادته من دون أن يصبح مشتبهاً في ولائه، وفي المجتمع عندما نستطيع التفريق بين نقد القرار ومعاداة الجماعة.
اما العبارة الهدامة والتي تعدم اية امكانية للتغير والانعطاق الى رحاب مختلف، فهي عبارة كلنا مسؤولون التي تلغي اي مسؤولية، والأغرب من ذلك استحضار أخطاء ربما صحيحة من أماكن وحقبات مختلفة، لا لشيء الا للهروب من تحمل تبعات المسؤولية، فعندما يكون الجميع مسؤولين بالدرجة نفسها، لا يعود أحد مسؤولاً بصورة محددة، وهنا لا نبحث عن مذنب بل عن إمكانية الخروج من الكارثة وعدم تكرارها، فإذا انتهت كل كارثة بالرواية نفسها، وبالقيادات نفسها، وبطريقة التفكير نفسها، وبالأدوات نفسها، فمن أين سيأتي الخروج من الأزمة، فإعادة بناء البيوت لا تكفي إذا بقيت الآلية التي هدمتها قادرة على العمل بالطريقة نفسها. وإعادة فتح المؤسسات لا تكفي إذا لم نسأل لماذا أغلقت. وإعادة الناس إلى قراهم لا تكفي إذا ظل مستقبلهم معلقاً بقرارات لا يشاركون فيها ولا يستطيعون محاسبة من يتخذها.
وهناك العلاقة الخبيثة التي تقوم بين القائد وجمهوره، فهو يريد جمهورًا لا يسأله عن اخطائه، مقابل اعتبار هم انه القائد الذي لا يخطئ، فهو يمنح جماعته اليقين وهي تمنحه الحماية من المحاسبة ومع الوقت تصبح الرواية اهم من الواقع مهما كان شديد القسوة على الحياة وهي وصفة التمركز في مجتمعات ما قبل الحداثة والأقرب الى المجتمعات القبلية.
ففي المجتمعات المعاصرة، تبرز أمام الكوارث الاجتماعية والنكبات الناتجة عن الحروب، جملة اسئلة تتخطى الأفراد مهما كانت مسؤؤلياتهم أو مواقعهم لأنها ترتبط بحياة الجماعة والمجتمع بأكمله، بكافة تفاصيلها الاقتصادية والتربوية والصحية والمستقبلية. فتبدأ الاسئلة بهل انتصر خصمنا وهزمنا؟ وهل كان العالم متآمرًا علينا؟ وهل وهل؟؟.
لا تجدي هنا كثرة الأسئلة وتوصيف وحشية العدو التي لا حدود لها، كما لا يجدي توصيف عدالة قضيتنا واهمية خروج الاحتلال من ارضنا، بقدر اهمية الاعتراف بأخطائنا وسوء قراراتنا، بهدف الخروج من الكارثة. فقد تكون نيتك الدفاع عن مجتمعك، ثم تكتشف أن بعض خياراتك ألحقت بهذا المجتمع أضراراً جسيمة، يصعب معالجتها اذا لم تحضر المسؤلية الأخلاقية ولو لمرة واحدة.
ففي الدولة لا يمكن أن تكون محاسبة المسؤول استثناءً خصوصًا عندما لا يعير الى محاسبة نفسه اي اعتبار ، فالقضاء يحاسب، والبرلمان يراقب، والإعلام يسأل، والانتخابات تمنح المواطنين حق تغيير من يحكمهم، ومؤسسات الرقابة تمنع تحول السلطة إلى ملكية خاصة.
انما عندما تضعف المؤسسات، ويتقدم الانتماء للجماعة على الانتماء للدولة، ويصبح نقد المسؤول تهديداً للهوية الجماعية، تصبح المحاسبة أصعب بكثير، ولهذا فإن بناء الدولة ليس مجرد بناء إدارات وأجهزة، بل بناء ثقافة المسؤولية، ومن يطلب من الناس التضحية عليه أن يكون مستعداً لأن يشرح لهم لماذا كانت التضحية ضرورية، وماذا حققت، وما إذا كان بالإمكان تجنبها، ثم الاقرار بواجب الضمير صنوان المسؤولية الاخلاقية، اعادة النظر بكل الخيارات التي اوصلت الى هذه النتيجة.
ان الخروج من النكبة اللبنانية لا يبدأ فقط بإعادة الإعمار، ولا بالمساعدات، ولا بإعادة تشغيل الاقتصاد، ولا حتى بانتهاء الحرب وحده، على اهميتها. فهناك إعادة إعمار أخرى ربما تكون أكثر صعوبة، تتمثل بإعادة بناء معنى المسؤولية، فيصبح ممكناً في حياتنا العامة أن يقول المسؤول أخطأت. وأن تستطيع الجماعة سماع هذه الكلمة من دون أن تعتبرها هزيمة. وأن يستطيع المواطن نقد قيادته من دون أن يشعر بأنه تخلى عن جماعته.
وأن يصبح السؤال عن النتائج جزءاً من تقييم أي قرار، مهما كانت النوايا التي وقفت خلفه.
فأخلاق المسؤولية، بالمعنى الذي طرحه ماكس فيبر، تعيد وصل القرار بنتائجه، لا تكفي القناعة وحدها، بل ينبغي على صاحب الفعل السياسي أن يضع النتائج المتوقعة في حسابه وأن يتحمل مسؤوليته عنها.
وفي المقابل، يذكرنا مفهوم العصبية عند ابن خلدون، بأن الجماعة تمنح الإنسان القوة والتضامن والحماية، لكنها قد تتحول، إذا غابت عنها القدرة على النقد الداخلي، إلى سياج يحمي أخطاءها من المراجعة، وربما نحتاج لذلك إلى إعادة تعريف الشجاعة نفسها، فهي ليست دائماً أن تتمسك بما قلته بالأمس. بل بالاقرار بخطأ التقدير وتحمل نتائج التقدير الكارثية، لأن دون ذلك لا توجد مسؤولية، ومن دون المسؤولية لا توجد محاسبة.
ومن دون المحاسبة لا تكون الكارثة التي نعيشها خاتمة مرحلة، بل مقدمة للكارثة التالية. طالما لم يقر من امتلك قراراً مسَّ حياة الناس، بتحمل مسؤوليته عنها. والمجتمع الذي يعجز مسؤولوه عن محاسبة أنفسهم، وتعجز جماعاتهم عن محاسبتهم، ولا تستطيع مؤسساته مساءلتهم، لا يبقى أسير أخطائه الماضية فقط، إنه يهيئ الشروط لإعادة إنتاجها.