بطرس الخوري

خطيئة البحث عن حلّ غير لبناني للبنان

3 دقائق للقراءة

الطائفة ليست كانتوناً… ولبنان ليس سويسرا.

كلما اشتد النقاش حول النظام اللبناني، خرج من يقول: لبنان بلد تعددي، وسويسرا وبلجيكا بلدان تعدديان، فلماذا لا نعتمد نظاماً مشابهاً؟

السؤال جذاب، لكنه ينطلق من قياس غير دقيق: ليست كل تعددية واحدة.

اللغة ليست ديناً، والإثنية ليست طائفة، والإقليم ليس جماعة روحية، والكانتون ليس مذهباً. لذلك لا يكفي أن نصف مجتمعين بأنهما «متعددان» كي نستنتج أن النظام المناسب لأحدهما يصلح للآخر.

بلجيكا تطورت فدراليتها على أساس واقع لغوي وإقليمي، وسويسرا نشأت تاريخياً من كانتونات ذات شخصيات سياسية ومؤسساتية. أما لبنان فتركيبته مختلفة: طوائفه ليست شعوباً منفصلة تسكن أقاليم واضحة الحدود، بل جماعات متداخلة جغرافياً واجتماعياً، راكمت عبر التاريخ علاقات ومصالح وصراعات وشراكات داخل المساحة نفسها.

وهنا تحديداً يسقط التشبيه.

فإذا أردنا تطبيق نموذج الكانتونات، أين نرسم الحدود؟ في الأقضية المختلطة؟ في المدن؟ في القرى؟ وماذا نفعل بمن يعيش خارج المنطقة المفترضة لطائفته؟

الطائفة ليست كانتوناً، ولبنان ليس مجموعة أقليات تعيش مصادفة داخل حدود واحدة.

الفكرة اللبنانية قامت على منطق مختلف: ألا تعيش الجماعات إلى جانب بعضها فحسب، بل أن تعيش مع بعضها. أي ألا يُطلب من المسيحي أو المسلم أو الدرزي التخلي عن خصوصيته ليصبح لبنانياً، وفي الوقت نفسه ألا تتحول هذه الخصوصية إلى حدود سياسية تفصله عن شريكه في الوطن.

من هنا، فالعيش المشترك ليس شعاراً إنشائياً، بل جوهر الفكرة اللبنانية. والدستور نفسه يربط شرعية السلطة باحترام ميثاق العيش المشترك.

صحيح أن اللبنانيين أساؤوا إدارة هذه الفكرة وحوّلوا الشراكة في كثير من الأحيان إلى محاصصة، والطائفة إلى أداة للنفوذ والزبائنية. لكن فشل إدارة الصيغة لا يعني أن البديل هو تفكيك فلسفتها.

والدليل أن اللبنانيين خرجوا من حرب أهلية دامت خمسة عشر عاماً من دون أن يختاروا الكانتونات. اتفاق الطائف أعاد التأكيد على لبنان الواحد أرضاً وشعباً ومؤسسات، وطرح اللامركزية الإدارية الموسعة، بالتوازي مع جعل إلغاء الطائفية السياسية هدفاً وطنياً.

أي أن الخلاصة التي خرجت من الحرب لم تكن تنظيم الانفصال، بل إعادة تنظيم الشراكة.

وهنا يصبح استحضار سويسرا وبلجيكا في كل نقاش لبناني أقرب إلى الهروب من السؤال الحقيقي. فالدساتير لا تُستورد جاهزة، والأنظمة السياسية ليست وصفات تصلح لكل المجتمعات. يمكن أن نتعلم من سويسرا اللامركزية، ومن بلجيكا حماية الخصوصيات، لكن التعلم شيء والاستنساخ شيء آخر.

أزمة لبنان ليست أنه لم يصبح سويسرا؛ أزمته أنه لم ينجح بعد في أن يصبح لبنان.

والمطلوب ليس دولة تلغي الطوائف، ولا نظاماً يحولها إلى كيانات شبه مستقلة، بل دولة تحمي خصوصيات الجماعات وتحرر المواطن في الوقت نفسه من الارتهان لها: دولة يشعر فيها الجميع بأن وجودهم مضمون، من دون أن يحتاجوا إلى حدود تفصلهم أو زعماء يحمونهم من بعضهم.

لا يوجد نموذج خارجي يمكن نسخه على الحالة اللبنانية بحذافيره، لأن التجربة اللبنانية نتاج تاريخها وتركيبتها الخاصة. المقارنة مفيدة للتعلم، لكنها تصبح خطرة عندما تتحول إلى ذريعة للاستنساخ.

لذلك ليس السؤال: لماذا لا يصبح لبنان مثل سويسرا أو بلجيكا؟

بل: كيف نجعل التجربة اللبنانية نفسها تنجح؟

فالعيش المشترك لا يعني أن يعيش كل منا بأمان خلف حدوده، بل أن نبني دولة تجعلنا لا نحتاج إلى حدود بيننا.

وهذا هو الرهان اللبناني: أن نحمي الاختلاف من دون أن نحوّله إلى انفصال، وأن نبني وطناً لا يطلب من أبنائه الاختيار بين خصوصيتهم ولبنانيتهم.