حين أنشأ مجلس الأمن قوة الأمم المتحدة الموقتة في لبنان في 19 آذار 1978، بموجب القرارين 425 و426، كانت المهمة واضحة: تأكيد الانسحاب الإسرائيلي، وإعادة السلام، ومساعدة الحكومة اللبنانية على استعادة سلطتها الفعلية في الجنوب. بعد ثمانية وأربعين عامًا، تنتهي ولاية هذه القوة في 31 كانون الأول 2026، تاركة خلفها حكمًا شبه إجماعي بالفشل. غير أن السؤال الحقيقي ليس لماذا فشلت "اليونيفيل"، بل لماذا فشلت كل قوة دولية أو عربية دخلت لبنان من دون استثناء.
الجواب واحد: لا قوة خارجية، مهما بلغ عديدها وتسليحها، تستطيع أن تحلّ محلّ دولة تخلّت السلطة فيها عن وظيفتها السيادية. فالقوات الدولية لا تنتج غطاءً سياسيًا، بل تستمده من الدولة المضيفة. وحين تكون سلطة هذه الدولة عاجزة أو مرتهنة، تتحول القوة الدولية إلى شاهد على الانهيار لا إلى مانع له.
الشواهد متتالية. قوات الردع العربية التي أُقرّت في قمتي الرياض والقاهرة عام 1976 تحولت سريعًا إلى غطاء لوصاية سورية امتدت حتى 2005، لأن السلطات المتتالية لم تملك قرار ضبط مهمتها. والقوة المتعددة الجنسيات التي دخلت بيروت عام 1982 انسحبت بعد تفجيري 23 تشرين الأول 1983 اللذين أوديا بـ241 جنديًا أميركيًا و58 مظليًا فرنسيًا، لأن السلطة آنذاك التي استدعتها انقسمت على نفسها من داخلها وعجزت عن حمايتها سياسيًا. أما "اليونيفيل" فعجزت عن منع اجتياح 1982، وعن ضبط الفصائل الفلسطينية المسلحة قبله، ثم عن لجم "حزب الله" بعده.
لكن المثال الأوضح هو ما جرى بعد حرب تموز 2006. يومها توافرت للبنان فرصة تاريخية: إجماع دولي، واستعداد أوروبي لإرسال آلاف الجنود، وقرار أممي هو القرار 1701 الذي نصّ على أن تكون المنطقة الواقعة بين الليطاني والحدود خالية من أي سلاح أو مسلحين غير تابعين للدولة. غير أن الحكومة اللبنانية، تحت ضغط "حزب الله" وحلفائه، لم تطلب إصدار القرار تحت الفصل السابع الذي يجيز استخدام القوة لتنفيذ قرارات مجلس الأمن، بل عارضته. فجاء القرار تحت سقف الفصل السادس، وانحصرت مهمة "اليونيفيل" في مواكبة الجيش اللبناني ودعمه ومساعدته، من دون تفويض صريح بالتحرك المستقل. وبما أن القرار غير قابل للتنفيذ عسكريًا، بات تطبيقه رهنًا بالكامل بتعاون لبنان وإسرائيل.
النتيجة كانت متوقعة. التزم لبنان نشر 15 ألف جندي في الجنوب، لكن جزءًا محدودًا فقط انتشر فعلا، ثم أُعيد كثيرون منهم شمالا. ولم يكن في وسع جنود "اليونيفيل" دخول القرى أو الأملاك الخاصة إلا بمرافقة الجيش، الذي نادرًا ما حضر. وطوال ثمانية عشر عامًا، كان "الحزب" يحفر أنفاقه ويكدّس صواريخه على مرأى من القوة الدولية، فيما تكرّر تقاريرها أن الأمم المتحدة ليست في موقع يسمح لها بالتحقق المستقل من ادعاءات نقل السلاح. بل إن الجيش اللبناني علّق في آب 2024 الدوريات المشتركة مع "اليونيفيل" بعدما دخلت ما سُمّي "أملاكًا خاصة" في كفرحمام.
قد يُقال إن "اليونيفيل" أخطأت بالتساهل في تقاريرها وبالتكيّف مع بيئة معادية، وهذا صحيح. لكن من الظلم تحميلها مسؤولية مهام كانت معلّقة على قرار لبناني لم يُتخذ. فماذا كان يمكن لـ"اليونيفيل" أن تفعل فيما يتمتع "حزب الله" بحماية سياسية من الحكومات المتعاقبة؟ فالقوة التي تعمل بإذن سلطة الدولة لا تستطيع أن تكون أكثر سيادية من الدولة نفسها.
اليوم، ومع النقاش حول بعثة أوروبية بديلة، يتكرر الدرس بصيغة أخرى. فقد أكد الموفد الفرنسي جان-إيف لودريان أن أي قوة أوروبية لا يمكن أن تنتشر من خارج الأمم المتحدة إلا بطلب رسمي من لبنان. وهنا جوهر المسألة: المطلوب ليس قوة جديدة، بل سلوك جديد للسلطة. دولة تحتكر السلاح فعلا لا قولا، وتمنح أي شريك دولي غطاءً سياسيًا صريحًا، وتطلب صلاحيات تنفيذية حين تقتضي الحاجة، وتحاسب كل من يعتدي على هذه القوات.
لقد شكّل قرار الحكومة في آب 2025 بحصر السلاح بيد الدولة منعطفًا لم يجرؤ عليه أحد منذ اتفاق القاهرة عام 1969. لكن القرارات لا تكفي ما لم تتحوّل إلى ممارسة. فإذا كرّر لبنان خطيئة 2006، ستلقى أي بعثة أوروبية مصير سابقاتها، ولن يبقى أمام اللبنانيين سوى انتظار حرب جديدة يخوضها الآخرون على أرضهم.