حين تمنح الحكومة إعفاءات من فواتير الكهرباء ولا تغطّي كلفتها، وتتأخر مؤسساتها عن تسديد مستحقاتها، فإنها تضعف قدرة مؤسسة الكهرباء على تمويل تشغيلها. وقد ينعكس ذلك تراجعاً في التغذية وزيادةً في الاعتماد على المولدات. من هنا تنبع أهمية اعتكاف وزير الطاقة جو الصدي: وضع الحكومة أمام مسؤوليتها عن قرارات يتحمل اللبنانيون نتائجها، في وقت تضيق فيه قدرتهم على تحمّل المزيد.
بحسب الصدي، بلغت متأخرات الدولة لمؤسسة كهرباء لبنان نحو 300 مليون دولار. هذا الرقم يستوجب نشر كشف تفصيلي بالمبالغ والجهات المدينة، ويطرح سؤالاً مباشراً: كيف تطالب الحكومة المؤسسة بتمويل تشغيلها من إيراداتها، فيما تتأخر في تسديد جزء من مستحقات المؤسسة؟ وكيف تطلب من المواطن دفع فاتورته، فيما الإدارات العامة لا تلتزم بما تطلبه منه؟
وتتضح المشكلة أكثر في الإعفاءات الممنوحة على خلفية الحرب في الجنوب، والتي طالب الصدي الدولة بتغطية كلفتها. مساعدة المتضررين مسؤولية وطنية، لكن قرار الإعفاء يحتاج إلى تمويل معلوم. فإذا تُركت كلفته على عاتق المؤسسة، فقد يتحمل المشتركون تبعاته بتراجع الخدمة وارتفاع نفقاتهم على البدائل. وبينهم مواطن محدود الدخل يعيش بعيداً عن الدمار، ولا يخفف من قسوة العبء عليه أن منزله لم يُقصف.
هذا هو جوهر التوازن المطلوب بين المناطق. حجم الدمار يبرر أولوية الإغاثة، لكنه لا يلغي حاجات اللبنانيين خارج المناطق المنكوبة. فالعائلة التي أنهكتها الأزمة الاقتصادية تحتاج أيضاً إلى الكهرباء والاستشفاء والتعليم. وعلى الحكومة حماية هذه الحقوق بالتوازي مع إعادة الخدمات إلى المناطق المتضررة، وشرح معايير توزيع الموارد والأعباء، حتى لا تتحول معاناة اللبنانيين إلى تنافس بين مناطقهم.
ويطرح إعلان رئيس الحكومة نواف سلام مشاريع التعافي في النبطية سؤالاً مشروعاً عن مصادر التمويل وأولويات الإنفاق. بعض المشاريع يستند إلى تمويل خارجي مخصص، وبعضها إلى مبادرات محلية، ولذلك لا تصحّ معاملتها جميعاً كأموال يمكن تحويلها مباشرة إلى شراء الفيول. لكن اختلاف مصادر التمويل لا يفسّر بقاء مستحقات الكهرباء معلّقة، ولا يعفي الحكومة من وضع جدول لتسديدها. فاستعادة الخدمات في منطقة متضررة وحماية استمراريتها في سائر المناطق مسؤوليتان متلازمتان.
لهذا يستحق موقف الصدي الدعم. فقد أعلن اعتكافه عن جلسات مجلس الوزراء مع استمرار عمله في الوزارة، مطالباً بقرارات تتجاوز قدرته على الحسم منفرداً. وتبقى مسؤوليته قائمة في تحسين الجباية، ومكافحة الهدر، وإظهار نتائج الإصلاح. لكن محاسبته وحده على تراجع الخدمة تتجاهل مسؤولية الحكومة عن التزامات لا يملك وحده فرض تنفيذها.
والاستجابة الجدية تبدأ بكشف المستحقات وتدقيقها، وجدولة دفعها، وتخصيص تمويل واضح للإعفاءات. أما التعرفة المتحركة، فتحتاج إلى ضمانات تحمي الاستهلاك الأساسي، وإلى أرقام تبيّن أثرها على مجموع فاتورتي الكهرباء والمولد.
لا تُقاس نتيجة الاعتكاف بعودة الصدي إلى مقعده في مجلس الوزراء، وإنما بما يحصل عليه اللبنانيون من قرارات وتنفيذ. فالمواطن الذي يسدد ما عليه يستحق دولة تسدد ما عليها، والحكومة التي تقرر الدعم مسؤولة عن تمويله، لا عن ترك كلفته تتوزع عتمةً على الجميع.