مع دخول موسم الزيتون مرحلة ما قبل القطاف، لا تقتصر الاستعدادات في مناطق زراعته في عكار، التي تنتشر فيها بساتين الزيتون، على تجهيز الموسم والبدء بالتحضير لجني المحصول، بل يبدأ معها فصل آخر من القلق الليلي الذي يعيشه الأهالي نتيجة إطلاق النار المتكرر يوميًّا من داخل البساتين ومحيطها، الذي يقوم به النواطير.
وعن "الناطور"، فهو الحارس الذي يختاره صاحب البستان لهذه المهمة، أو الشخص الذي يكون قد "ضَمِنَ" الموسم من صاحب البستان الأصلي لاستثمار المحصول مقابل بدل. ويُفترض بهذا الناطور أن يحمي الموسم من السرقة. غير أن ما يحصل مع حلول كل ليل عكس ذلك تمامًا. إذ يعلو دويّ الرصاص، تحت ذريعة إخافة من قد يحاول التسلل إلى الأراضي وسرقة المحصول. إلا أن ما يُفترض أن يكون وسيلة لحماية المواسم يتحول، في كثير من الأحيان، إلى مصدر خوف حقيقي للسكان، ولا سيما أن عددًا كبيرًا من البساتين يقع بين المنازل والتجمعات السكنية أو على مقربة منها.
وبحسب معلومات خاصة بـ "نداء الوطن"، فإن حقيقة ما يقوم به بعض هؤلاء النواطير تتمثل في تجربة البنادق الحربية عبر إطلاق النار في محيط البساتين، فيما تتردد معلومات محلية عن أن بعض العاملين في هذه المهمة ينشطون أيضًا في مجال تجارة الأسلحة. وعليه، فإن هذه المعطيات تستدعي، في حال صحتها، متابعة جدية من الأجهزة المختصة، خصوصًا أن المسألة لا تتعلق فقط بحراسة موسم زراعي، وإنما باستخدام السلاح وإطلاق النار ليلا في مناطق مأهولة.
الأخطر أن إطلاق النار لا يقتصر على طلقات متفرقة، بل يتحدث الأهالي عن رصاص متواصل يستمر، في بعض الليالي، حتى ساعات الصباح الأولى، ما يحوّل الليل إلى مصدر دائم للقلق، ويجعل السكان، خصوصًا الأطفال وكبار السن، يعيشون على وقع أصوات البنادق بدلا من أن ينعموا بالهدوء والأمان داخل منازلهم.
في المقابل، لا أحد يعترض على حق أصحاب البساتين في حماية مواسمهم من السرقات، خصوصًا أن محصول الزيتون يمثل مصدر رزق أساسيًّا لعائلات كثيرة في عكار. لكن حماية الزيتون لا يمكن أن تكون على حساب سلامة الناس، ولا أن تتحوّل البساتين إلى ساحات لإطلاق النار العشوائي تحت عنوان الحراسة.
أين الجيش والقوى الأمنية؟
وهنا تبرز مسؤولية الأجهزة الأمنية التي يبدو حضورها غائبًا عن هذه الظاهرة، رغم تكرارها مع كل موسم زيتون. أما ترك الأمور من دون متابعة أو ضبط، فيعني عمليًّا أن الأهالي يواجهون وحدهم رصاصًا ليليًّا لا يعرفون أسبابه ولا مدى خطورته. المطلوب ليس منع حراسة البساتين، بل وضع حد للفوضى التي ترافقها، وتنظيم عملية الحماية، والتأكد من قانونية الأسلحة المستخدمة، ومنع إطلاق النار العشوائي، ومحاسبة كل من يحوّل حماية محصوله إلى مصدر تهديد لأمن المواطنين. فالزيتون موسم رزق، لا موسم رعب، وما يحتاجه المزارع لحماية شجره لا ينبغي أن يدفع ثمنه جاره الذي يريد فقط أن ينام بأمان.