من السعودية إلى بريطانيا... طهران تُصدّر الإرهاب

4 دقائق للقراءة
خلال لقاء ولي العهد السعودي مع الرئيس السوري في الرياض أمس (رويترز)

تضع الهجمات الحوثية على السعودية المنطقة أمام اختبار حاسم يتجسّد في قدرة الدول الإقليمية على حماية سيادتها ومرافقها الحيوية من جماعة مسلّحة تستند إلى الدعم الإيراني لفرض معادلاتها بالقوّة. فاستهداف المطارات والمنشآت النفطية، وتهديد شركات الطيران، يحوّلان التصعيد إلى اعتداء على أمن المدنيين وحركة الاقتصاد، ويمنحان العمليات العسكرية الرامية إلى تقليص "الجغرافيا الحوثية" أهمية تتجاوز الجبهة اليمنية إلى استقرار الخليج والممرّات البحرية.

وقد أكدت السلطات السعودية تعرّض مطارَي جازان ونجران لاعتداءين أوقعا إصابات وأضرارًا مساء الاثنين، فيما أعلن التحالف بقيادة الرياض اعتراض صاروخ باليستي باتجاه خميس مشيط أمس. أما استهداف مطار الرياض، فبقي ضمن إعلان الحوثيين، من دون تأكيد سعودي. وتكتسب هذه التفرقة أهمية في مواجهة حرب دعائية ترافق الصواريخ والمسيّرات، وتسعى إلى تعميم الشعور بأن الأجواء السعودية باتت خاضعة لقرار الجماعة.

تزامنًا، ترتبط أهمية الهجوم المضاد للقوات الحكومية اليمنية، بمساندة جوّية من الرياض، بقدرته على تفكيك عناصر هذا الابتزاز: منصّات الإطلاق، وخطوط الإمداد، والسيطرة على مناطق تُتيح تهديد مضيق باب المندب. واستعادة سلطة الحكومة المعترف بها دوليًّا على الساحل الغربي مع الوقت يمكن أن تقلّص هامش الحركة الحوثية وتدعم أمن الملاحة. غير أن تضارب الروايات بشأن السيطرة الميدانية بين الطرفين يفرض الحذر في تقدير النتائج. بيد أن المعركة ما زالت في بدايتها، والحقائق الميدانية ستتكشّف تباعًا.

وسط هذا المشهد، جاء تفعيل "حلف مكة الدفاعي" ليضيف بُعدًا جماعيًّا إلى الردع. فإعلان تركيا وباكستان نشر قوّات وقدرات عسكرية في المملكة يرفع كلفة الاعتداء عليها، ويضع الحوثيين، ومن خلفهم طهران، أمام حسابات تتجاوز مواجهة ثنائية. وتتحوّل اتفاقية الدفاع المشترك، مع أوّل تفعيل لها، إلى اختبار عملي لمدى قدرة الدول الثلاث على ترجمة التزاماتها إلى حماية فعّالة.

وتحمل زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى الرياض أمس، بعد يوم من هذه الخطوة، دلالة سياسية واضحة في توقيتها. فاللقاء مع ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، بحضور مسؤولين سعوديين يتولّون ملفات الدفاع والخارجية والأمن الوطني، يتيح قراءة الزيارة ضمن التشاور حول التحوّلات العسكرية والأمنية، إلى جانب العلاقات الثنائية. ومع اقتصار البيانات الرسمية على التعاون ومستجدات المنطقة، يمكن فهم التوقيت بوصفه مؤشرًا إلى أهمية التنسيق مع الرياض في لحظة إعادة ترتيب موازين الردع الإقليمية.

وبالتوازي، تواصل الدوحة وساطتها بين واشنطن وطهران، محافظةً على تبادل الرسائل رغم غياب اختراق تفاوضي. ويكشف دعمها الإجراءات السعودية وتفعيل الحلف، بالتزامن مع استقبال أمير قطر الشيخ تميم بن حمد وزير الداخلية الإيراني إسكندر مؤمني، إمكان الجمع بين قنوات التهدئة ومساندة أمن الدول الشقيقة المعتدى عليها. وتبقى فاعلية الوساطة مرتبطة بقدرتها على تحويل الاتصالات إلى التزامات قابلة للتحقّق، تحدّ من التصعيد وتفكّك العُقَد النووية وتحمي الملاحة والسيادة.

وتصل امتدادات المواجهة إلى بريطانيا، حيث نُقلت القاذفات الأميركية من قاعدة فيرفورد على خلفية تهديدات نسبتها واشنطن إلى جهات مرتبطة بإيران. وأبلغ مسؤولان أميركيان وكالة "رويترز" بأن واشنطن سحبت قاذفاتها من فيرفورد بسبب ما يُشتبه بأنه مخطّط يشمل إيران لشنّ هجوم معقّد بطائرات مسيّرة على القاعدة. وأوقفت شرطة مكافحة الإرهاب البريطانية مشتبهًا به سابعًا في إطار التحقيق في الحادث الذي حصل أواخر أيلول قرب قاعدة فيرفورد، موضحةً أن شابًا بريطانيًّا أُوقف في وسط لندن أمس للاشتباه في "الإعداد لأعمال إرهابية".

وفي مسار قضائي منفصل، تتكشّف اتهامات لثلاثة إيرانيين بمراقبة صحافيين معارضين تمهيدًا لمهاجمتهم لحساب الاستخبارات الإيرانية. إنّ طبيعة الوقائع التي يعرضها الادعاء تضع النهج الاستخباراتي المنسوب إلى نظام الملالي تحت المجهر: ملاحقة النقد خارج إيران وتسخير العنف لإسكات أصحابه.