المحامي رفيق اورى غريزي

ولاية الفقيه بصيغة الجمع: حين تشتري الجمهورية صمت المحاريب

8 دقائق للقراءة

 في بلدٍ يقف فيه المتقاعد على شبّاك المصرف ليستجدي فتات تعويض نهاية خدمته، ويُقال فيه للمودع منذ سبع سنوات إنّ الخزينة خاوية وإنّ عليه أن يتقاسم الخسارة، وتُرمى فيه رواتب المعلّم والجندي والقاضي في هوّة الانهيار، اكتشف مجلس الوزراء فجأةً أنّ في الصندوق مالاً، وأنّ في الوقت عجلة. لم يكن المال لمودعٍ ولا لمريضٍ ولا لمدرسةٍ رسمية تتآكل جدرانها، بل للرؤساء الروحيين للطوائف الإسلامية الأربعة، السنية والشيعية والموحدين الدروز والعلوية. فبموجب المرسوم رقم 3904 الصادر في بعبدا في 21 أيلول 2026، بعد موافقة مجلس الوزراء في 3 أيلول، أُحيل إلى مجلس النواب مشروع قانون معجّل يرمي إلى منحهم معاشاً تقاعدياً من المال العام. وليس السؤال هنا عن قيمة المعاش، فالمبالغ تُنسى، بل عن معناه: هل نحن أمام إنفاقٍ في غير موضعه فحسب، أم أمام عقدٍ غير مكتوب بين السلطة الزمنية والسلطة الروحية، تشتري فيه الأولى شرعيتها من الثانية بمال الناس، فتتحوّل الدولة إلى خادمٍ لمن يُفترض أن يكونوا رعاياها، ويصير لبنان جمهوريةً يحكمها فقهاؤها بصيغة الجمع؟

لنبدأ من النص، لأنّ النص في لبنان كثيراً ما يفضح ما يحاول السياسيون ستره. فالمادة 58 من الدستور تجيز للحكومة أن تصف مشروع قانونٍ بالمستعجل، فإذا انقضت أربعون يوماً على طرحه وإدراجه في جدول أعمال جلسة عامة وتلاوته فيها دون أن يبتّ فيه المجلس، جاز لرئيس الجمهورية أن يصدره بمرسوم بعد موافقة مجلس الوزراء. هذه أداةٌ استثنائية وُضعت لحماية المصلحة العامة الداهمة من بطء التشريع، لا لتأمين شيخوخة مريحة لرجالٍ يشغلون مناصبهم في الغالب مدى الحياة. فأيّ عجلةٍ هذه التي لم يجدها المشترع في قانون استعادة الودائع، ولا في إصلاح القضاء، ولا في الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية التي ينتظرها اللبنانيون منذ خمسة وثلاثين عاماً، ثم وجدها كاملةً في معاش مفتٍ وشيخ عقل ونائب رئيس مجلس شيعي ورئيس مجلس علوي؟ إنّ تحويل الاستعجال الدستوري من وسيلةٍ للضرورة إلى وسيلةٍ للمحاباة هو انحرافٌ بالسلطة في أنقى صوره.

أمّا غياب المسيحيين عن المشروع، فليس، كما قد يُظنّ، تمييزاً ضدّهم، بل هو الكاشف الأدقّ لطبيعة العلاقة. فالمرجعيات الإسلامية في لبنان نُظّمت بقوانين ومراسيم اشتراعية خاصة، من المرسوم الاشتراعي رقم 18 لعام 1955 الناظم لشؤون الطائفة السنية إلى القانون رقم 72 لعام 1967 المنشئ للمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، فالقانون رقم 449 لعام 1995 الناظم لشؤون الطائفة الإسلامية العلوية، وصولاً إلى قانون عام 2006 الناظم لمشيخة العقل والمجلس المذهبي لطائفة الموحدين الدروز، وصارت مرتبطة إدارياً برئاسة مجلس الوزراء وتتقاضى من الموازنة العامة، في حين بقيت الكنائس مستقلة بأوقافها وهرمياتها ومراجعها خارج الحدود. أي أنّ الدولة لا تكافئ الدين، بل تكافئ الدين الذي صار ملحقاً بها. وهنا تكمن الخطورة: المعاش التقاعدي ليس هبةً بل صفة، وهو يرسّخ في القانون أنّ رجل الدين موظّفٌ عند السلطة التنفيذية، يُعيَّن في ظلّها ويُكافأ في ظلّها ويتقاعد في ظلّها. ومن يأكل من خبز السلطان، كما يقول المثل القديم، يضرب بسيفه. فكيف يُطلب من مرجعٍ روحي أن يرفع صوته في وجه الفساد وهو يعلم أنّ راتبه اليوم وتقاعده غداً بيد من يُفترض أن يحاسبهم؟ ثم كيف يستقيم هذا مع المادة 7 من الدستور التي تساوي بين اللبنانيين في الحقوق والواجبات، ونحن نُنشئ بالقانون فئةً جديدةً من أصحاب الامتياز؟

والمقارنة مع زيادة رواتب النواب ليست استطراداً، بل هي مفتاح القراءة. ففي آب الماضي رُفع راتب النائب من ثلاثة آلاف دولار إلى خمسة آلاف شهرياً ابتداءً من أيلول، لا بقانونٍ يُناقش علناً ويتحمّل فيه كلّ نائب مسؤولية صوته، بل بقرارٍ خرج من داخل المجلس نفسه بنقل اعتمادٍ إلى صندوق التعاضد النيابي، فكان النواب الخصم والحكم وأصحاب المصلحة في آن، فيما ينتظر العسكري والموظف والمتقاعد زياداتهم بالتقسيط وعلى دفعات. وها هو المشهد يتكرّر بعد أسابيع قليلة: هناك التفافٌ على الأصول بنقل اعتماد، وهنا التفافٌ عليها بالاستعجال؛ هناك مجلسٌ يكافئ نفسه، وهنا سلطةٌ تكافئ من يباركها. والقاسم المشترك أنّ المال العام، الذي يُقال للمودع إنه تبخّر، يظهر فجأةً كلّما تعلّق الأمر بأهل الحكم وحرّاسهم. فإذا أقرّ النواب هذا المشروع، اكتملت الحلقة المغلقة: نوابٌ يزيدون رواتبهم بأيديهم، وحكومةٌ تحيل إليهم معاشات رجال الدين على عجل، ونوابٌ يصوّتون عليها، ورجال دينٍ يمنحون الجميع غطاء الشرعية والسكينة. لسنا إذاً أمام قراراتٍ متفرّقة، بل أمام اقتصادٍ سياسيٍّ كامل للامتياز، تتبادل فيه النخب المنافع على حساب من لا يملكون إلا صبرهم، وتُدار فيه الدولة كما تُدار الغنيمة.

لم يولد هذا المشهد من فراغ. فالنظام اللبناني ورث عن السلطنة العثمانية نظام الملل، حيث تُدار الجماعات عبر رؤسائها الدينيين وتتعامل معها الدولة كأوعية لا كأفراد. ثم جاء بروتوكول 1861 ونظام المتصرفية ليجعلا التمثيل الطائفي قاعدةً للحكم، وجاء الانتداب الفرنسي بالقرار 60 ل.ر. لعام 1936 ليعترف بالطوائف التاريخية ويجعل الدولة ضامنةً لأحوالها الشخصية. وكتب دستور 1926 في مادته 95 أنّ الطائفية «بصورة مؤقتة»، فإذا بالمؤقّت يصير أبدياً، وإذا بالميثاق الوطني عام 1943 يكرّسه عرفاً. ثم جاء اتفاق الطائف عام 1989 ليعد بإلغاء الطائفية السياسية عبر هيئة وطنية لم تُشكّل قط، وبمجلس شيوخ لم يرَ النور، لكنه في الوقت نفسه منح رؤساء الطوائف، بموجب المادة 19، حقّ مراجعة المجلس الدستوري في شؤون الأحوال الشخصية وحرية المعتقد والتعليم الديني، فارتقى رجل الدين من مرجعٍ اجتماعي إلى فاعلٍ دستوري. وحين حاول الرئيس الياس الهراوي عام 1998 طرح الزواج المدني الاختياري، توحّدت المرجعيات التي لا تتوحّد على شيء، فأسقطت المشروع قبل أن يولد. هكذا تعلّم السياسي أنّ طريقه إلى السلطة يمرّ بالمحراب، وتعلّم رجل الدين أنّ سلطانه على الرعية يحتاج إلى حماية الدولة.

وهنا يصحّ الكلام عن ولاية الفقيه، لا بوصفها نظرية إيرانية مستوردة، بل بوصفها بنيةً لبنانية مقنّعة. ففي طهران فقيهٌ واحد يعلو الدستور ويُخضع الدولة لمشيئته، وفي بيروت فقهاء كثر، لكلٍّ منهم ولايته على رعيّته: يزوّج ويطلّق ويحكم في الحضانة والإرث، ويقرّر متى يحقّ للمرأة أن ترى أطفالها، ويضع فيتو على الزواج المدني وعلى أيّ قانون موحّد للأحوال الشخصية، ويبارك المرشّحين للمناصب الكبرى ويحجب البركة عن غيرهم. إنها ولاية فقيه موزّعة بالمحاصصة، أقلّ صخباً من النسخة الإيرانية وأكثر مكراً منها، لأنها لا تحتاج إلى حرسٍ ثوري ولا إلى مرشدٍ أعلى، بل يكفيها تبادل منافع صامت: السياسي يطعم رجل الدين، ورجل الدين يغطّي السياسي. وهي في جوهرها المعادلة نفسها التي حكمت البلاد سنوات طويلة، حين تُرك الفساد في الإدارة لطرفٍ مقابل تغطيته سلاح طرفٍ آخر. في الحالتين، يتنازل كلٌّ عن واجبه في المحاسبة مقابل أن يُترك له ما يريد، ويدفع المواطن الثمن مرتين: مرةً من جيبه، ومرةً من حريته.

من هنا، لا يغدو الفصل بين الدين والدولة ترفاً فكرياً ولا عداءً للإيمان، بل شرطاً لبقاء الاثنين معاً. فالعلمانية التي نريدها ليست حرباً على المساجد والكنائس، بل حمايةٌ لها من أن تصير دكاكين في سوق السياسة. الدين الذي يتقاضى أجره من الحاكم يفقد قدرته على قول كلمة الحقّ في وجهه، والدولة التي تشتري شرعيتها من رجال الدين تعترف ضمناً بأنها لا تملك شرعيةً من مواطنيها. والمطلوب واضح: استقلالٌ ماليٌّ تام للمؤسسات الدينية عن الخزينة العامة، تموّلها أوقافها ومؤمنوها كما تفعل الكنائس، وقانونٌ مدنيٌّ موحّد للأحوال الشخصية يكون اختيارياً في البدء ثم قاعدةً عامة، وتنفيذٌ صادقٌ للمادة 95 بتشكيل الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية التي صارت أطول وعدٍ مكسور في تاريخ الجمهورية.

إنّ المرسوم 3904 ليس تفصيلاً إدارياً، بل مرآةٌ تعكس عورة النظام كاملة: دولةٌ مفلسة أمام أبنائها، سخيّةٌ أمام نوّابها وحرّاسها، عاجزةٌ عن إعادة وديعة أرملة، قادرةٌ في أسابيع على تأمين تقاعد من يملكون الأوقاف والعقارات والمؤسسات. وأمام المجلس النيابي الآن أربعون يوماً ليقول للبنانيين أيّ جمهوريةٍ يريد: جمهورية مواطنين متساوين، أم اتحاد طوائف يحرسه رجال دين يتقاضون من المال العام. فليُسقط النواب هذا المشروع، وليُسقط معه منطق الصفقة بين العمامة والكرسي. فالأوطان لا تموت حين تُفلس خزائنها، بل حين يُفلس معناها. وقد آن للبنان أن يكتشف أنّ الله لا يحتاج إلى معاشٍ تقاعدي، وأنّ الإنسان وحده هو من يحتاج إلى دولة.