بعد ثلاث سنوات على 7 أكتوبر 2023، يصبح السؤال الأكثر أهمية: لماذا انتهت العملية إلى هذه الحصيلة الهائلة من الدمار والضحايا، رغم النجاح العسكري المفاجئ في ساعاتها الأولى؟
قد يكون مفتاح الإجابة في العقيدة التي انطلق منها قرار تنفيذ العملية نفسه. لقد قامت رؤية حماس لإسرائيل على مجموعة من التصورات التي تراكمت في الوعي الفلسطيني والعربي طوال عقود. إسرائيل كيان «أوهن من بيت العنكبوت». المجتمع الإسرائيلي مجتمع مدلل، يخاف الخسائر البشرية، ولا يحتمل حرباً طويلة. الأسرى الإسرائيليون يشكلون نقطة ضعف لا تستطيع القيادة الإسرائيلية تحمل تبعاتها. وإذا وقع عدد كبير من الجنود والمواطنين الإسرائيليين في الأسر، فستضطر الحكومة الإسرائيلية مرغمة إلى الخضوع وتقديم تنازلات كبيرة.
ولم تكن هذه الصورة كلها من نسج الخيال الفلسطيني فقط. إسرائيل نفسها ساهمت، عبر سياساتها وسلوكها، في ترسيخها في أذهان أعدائها.
كانت صفقة جلعاد شاليط مثالاً بالغ التأثير. فقد أُطلق في عام 2011 مقابل 1027 أسيراً فلسطينياً، وكان من بينهم زعيم حماس يحيى السنوار نفسه. بالنسبة إلى حماس، لم تكن الصفقة مجرد تبادل أسرى، بل أعتبرت كدليل عملي حسي ثابت على أن اختطاف إسرائيليين يمكن أن يجبر الدولة الإسرائيلية على دفع ثمن مرتفع جداً، وهنا وقعت قيادة حماس في الخطأ الاستراتيجي الأكبر.
لقد تحولت تجربة شاليط من واقعة محددة لها ظروفها السياسية والعسكرية إلى قاعدة عامة في الحسابات. وكأن إسرائيل ستتصرف دائماً بالطريقة نفسها، وكأن المجتمع الإسرائيلي سيبقى أسير معادلة «كل إسرائيلي مقابل ألف فلسطيني»، وأن القيادة الإسرائيلية ستُجبر على الخضوع مهما كانت الكلفة.
لكن إسرائيل في ظل مخططات نتنياهو لم تكن إسرائيل التي تخيلتها حماس في تصورها السياسي والعسكري.
فالصدمة التي أحدثها الهجوم لم تؤدِّ إلى انهيار المجتمع الإسرائيلي، ولم تدفع الدولة إلى البحث الفوري عن صفقة شاملة. على العكس، أظهرت الأحداث أن القيادة الإسرائيلية كانت تنتظر من أعدائها خطوة كهذه لتغيير خريطة الشرق الأوسط، وقد أدت التعبئة العسكرية والمجتمعية الواسعة إلى حرب طويلة، وأظهر المجتمع الإسرائيلي استعداده لدفع أثمان بشرية واقتصادية وسياسية كبيرة عندما يتعلق الأمر بمستقبل دولته. وهكذا تحولت نقطة القوة التي بُني عليها جزء أساسي من حسابات العملية إلى أحد أسباب الحرب الطويلة التي تلتها.
الأخطر من ذلك أن المقولة التي اختزلت إسرائيل في «بيت العنكبوت» ربما خلطت بين الهشاشة السياسية والعسكرية المؤقتة وبين الهشاشة الاستراتيجية للدولة.
نعم، إسرائيل أخفقت في منع الهجوم، واستخباراتها وأجهزتها الأمنية تعرضت لإخفاق بالغ الخطورة. ونعم، المجتمع الإسرائيلي تعرض لصدمة غير مسبوقة. لكن الإخفاق الأمني لم يؤدِّ إلى انهيار الدولة، والصدمة الاجتماعية لم تؤدِّ إلى انهيار القدرة على الحرب. وهنا تكمن المفارقة.
7 أكتوبر نجح في تحطيم صورة إسرائيل التي صنعتها أجهزتها الأمنية عن نفسها، لكنه اصطدم في الوقت نفسه بصورة أخرى أكثر صلابة ورعباً: قدرة الدولة الإسرائيلية على تعبئة المجتمع والجيش عندما تشعر بأن وجودها نفسه مهدد.
فحماس، التي اعتمدت على تجاربها السابقة، بالغت في تقدير قيمة الأسرى على القرار الإسرائيلي الاستراتيجي. فالرهان على أن إسرائيل ستقبل حتماً بتبادل كبير وسريع، كما حدث في قضية شاليط، لم يأخذ في الاعتبار أن عدد الأسرى هذه المرة كان كبيراً، وأن الهجوم نفسه قتل وأصاب وأسر مدنيين وعسكريين في يوم واحد، وأن القيادة الإسرائيلية باتت تنظر إلى الحرب باعتبارها معركة وجودية لا مجرد أزمة أسرى. وهكذا اصطدمت عند اندلاع الحرب صورة إسرائيل المرسومة في الوعي الفلسطيني بحقيقة إسرائيل، الدولة اليهودية المقاتلة، القائمة على عقائد توراتية تلمودية تؤمن بالعنف المفرط طريقاً للحياة.
المفارقة التي تستحق التوقف عندها بعد ثلاث سنوات: إسرائيل أخطأت عندما اعتقدت أن حماس تحت السيطرة، وحماس أخطأت عندما اعتقدت أن إسرائيل هشة إلى الحد الذي يسمح بفرض الشروط عليها بسرعة مقابل الأسرى. وبين الخطأين تغير وجه الشرق وغرق الجميع في بحر من الدماء.
لذلك، فإن فشل 7 أكتوبر في تحقيق أهدافه لا يمكن تفسيره فقط بالقوة العسكرية الإسرائيلية. الفشل بدأ في سوء تقدير طبيعة الخصم.
ولهذا ربما يكون الدرس الأهم من 7 أكتوبر أن العدو لا ينبغي أن يُقرأ من خلال الصورة التي صنعها عن نفسه، ولا من خلال الصورة التي صنعناها عنه في وعينا، بل من خلال معلومات مخابراتية وتحليل علمي يكشفان الطريقة الفعلية لتصرفاته عندما يشعر أن بقاءه مهدد.
بعد ثلاث سنوات، يتكرر السؤال: لماذا افترض السنوار أن إسرائيل ستتصرف بالطريقة التي توقعها؟
قد تكون الإجابة ضائعة في المسافة بين الحقيقة المجردة ووهم امتلاك الحقيقة؛ بين إسرائيل المتخيلة في الوعي الفلسطيني، «أوهن من بيت العنكبوت»، وإسرائيل التي، عندما تعرضت للصدمة، اختارت أن تدخل حرباً طويلة مهما كان ثمنها.