في توقيت بالغ الأهمية، بدأ امس في 8 تشرين الأول أمين سر العلاقات مع الدول والمنظمات الدولية في الكرسي الرسولي المونسنيور بول ريتشارد غالاغر زيارة إلى باكستان تستمر حتى السبت 10 منه، تحت عنوان إحياء الذكرى الخامسة والسبعين للعلاقات الدبلوماسية بين الكرسي الرسولي وجمهورية باكستان الإسلامية وتعزيز الالتزام المشترك بالسلام والتعاون. لكن أهمية الزيارة تتجاوز في توقيتها وطبيعة الاتصالات المقررة بعدها الاحتفال بهذه المناسبة، لتطرح أسئلة حول موقعها في حركة دبلوماسية فاتيكانيّة أوسع، وحول ما إذا كان لبنان، بأزمته المفتوحة وحربه ومسار مفاوضاته مع إسرائيل، سيكون حاضرًا في جانب من هذه الاتصالات.
وبحسب البرنامج المعلن، التقى غالاغر أمس رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف ووزير الخارجية محمد إسحاق دار، فيما يلتقي اليوم مؤتمر الأساقفة الكاثوليك في باكستان ويشارك في المؤتمر المخصص للذكرى الخامسة والسبعين للعلاقات الدبلوماسية. ويختتم زيارته غدًا الجمعة بالاحتفال بالقداس الإلهي في كنيسة سيدة فاطيما في إسلام آباد، ثم زيارة مسجد فيصل واللقاء مع السلطات الدينية. ويقول مصدر دبلوماسي لـ"نداء الوطن" إن "جمع هذه المحطات السياسية والدينية والدبلوماسية في زيارة واحدة لا يمكن فصله عن الدور الذي تحاول الدبلوماسية الفاتيكانية تكريسه لنفسها كقناة للحوار بين عوالم متباعدة، وليس فقط كطرف ديني يتابع شؤون المسيحيين في الدول التي يزورها".
ويرى المصدر أن "زيارة باكستان تأتي في سياق حراك فاتيكاني متسارع بدأ يأخذ بعدًا دوليًا واضحًا، بعدما تحركت قنوات الكرسي الرسولي في اتجاه روسيا بحثًا عن مخارج للحرب الروسية- الأوكرانية، قبل أن تنتقل الحركة إلى ساحات أخرى تتقاطع فيها أدوار الوساطة والاتصالات، ومنها باكستان التي ارتبط اسمها بمسارات وساطة واتصالات في ملفات الحرب الأميركية- الإيرانية واليمن. وفي هذا السياق، لا تبدو زيارة غالاغر منفصلة عن الرؤية التي يطرحها البابا لاوون الرابع عشر حول ضرورة إعادة الاعتبار إلى الحوار، وما حملته زيارته التاريخية إلى فرنسا من رسائل إلى أوروبا والعالم بشأن مخاطر الحروب واتساع دائرة الصراعات وضرورة البحث عن تسويات سياسية".
ويضيف المصدر أن "السؤال اللبناني يصبح مشروعًا في هذه المرحلة تحديدًا لجهة هل يدخل ملف لبنان في النقاشات الفاتيكانية من زاوية الحرب الإسرائيلية ومسار المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية؟ فالفاتيكان ليس بعيدًا عن تفاصيل المشهد اللبناني، ولا سيما في ضوء الاتصالات التي أجراها السفير سيمون كرم بعيدًا من الأضواء مع مسؤولين فاتيكانيين، وفي مقدمهم أمين سر دولة حاضرة الفاتيكان الكاردينال بيترو بارولين، وما حملته هذه الاتصالات من معطيات حول المسار اللبناني وتعقيداته والفرص والمخاطر المحيطة به".
ويطرح المصدر سؤالا لا يقلّ أهمية عن مضمون الزيارة نفسها: لماذا الآن؟ فإذا كانت الذكرى الخامسة والسبعون للعلاقات الباكستانية - الفاتيكانية هي العنوان الرسمي، فإن هذه المناسبة كانت تسمح بزيارة غالاغر في توقيت آخر. أما اختيار هذه اللحظة الإقليمية والدولية بالذات، فيعطي التوقيت قيمة سياسية لا يمكن تجاهلها، خصوصًا أن إسلام آباد تقع عند تقاطع عدد من الملفات التي تتداخل فيها المصالح الأميركية والإيرانية والإقليمية والدولية، بما يجعلها منصّة صالحة للاستماع وتبادل الرسائل وفتح قنوات مباشرة وغير مباشرة.
ويصل المصدر إلى "السؤال الأكثر أهمية وهو: ماذا لو طلبت إيران وساطة الكرسي الرسولي مع الولايات المتحدة؟ والأهم، ماذا لو تطور الأمر إلى طلب أميركي- إيراني مشترك من الفاتيكان للتدخل في مسار الوساطة؟ عندها نكون أمام مشهد يعيد إلى الذاكرة أزمة الصواريخ الكوبية في ستينيات القرن الماضي، حين لعب الكرسي الرسولي دورًا في اتصالات ساهمت في خفض التصعيد بين واشنطن وموسكو في عهد جون كينيدي ونيكيتا خروتشوف. وإذا كانت الظروف اليوم مختلفة جذريًا، فإن الحاجة إلى جهة تحظى بدرجة من الثقة لدى أطراف متخاصمة قد تكون أكثر إلحاحًا مما كانت عليه في السابق".
ويختم المصدر بأن "لبنان لا يجوز أن يبقى خارج هذه الحركة الدبلوماسية إذا كانت تتجه فعلا نحو بناء مسارات لتسويات إقليمية أوسع. فوجود لبنان في صلب الاتصالات الفاتيكانية لا ينبغي أن يكون من باب الشكوى أو طلب الرعاية، بل من موقع الدولة التي تريد تثبيت سيادتها ووقف الحرب وحماية حدودها ودعم جيشها وإنجاح مسار التفاوض برعاية أميركية، وصولا إلى تسوية تمنع تحويل الأراضي اللبنانية مجددًا إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية".
وإذا كان الكرسي الرسولي يتحرك بين موسكو وإسلام آباد وغيرها من العواصم، فإن المطلوب أن يكون لبنان حاضراً بقوة في هذه الخريطة، لأن أي تسوية إقليمية لا تحمي استقراره ستبقى تسوية ناقصة، وأي حراك دولي للسلام يتجاهل لبنان قد يؤجل الأزمة بدلاً من أن يحلها.