تحفظ ذاكرة الناخب الأميركي فاتورة البقالة ولوحة الأسعار المضيئة فوق محطّة الوقود بدقّة محاسب متمرّس. وفي كلّ موسم انتخابي في العقود الأخيرة، تعود إلى الواجهة العبارة الشهيرة: "إنه الاقتصاد، يا غبي". ومَن يَدفع عادةً ثمن ارتفاع سعر غالون البنزين في الانتخابات النصفية؟ حزب الرئيس، ببساطة. لا يكترث المواطن الأميركي كثيرًا بما يجري خارج بلاده، ولا حتى خارج ولايته أو مدينته، ما دام لا يرى على شاشات التلفاز مشاهد متكرّرة لاستقبال نعوش جنود أميركيين في قاعدة دوفر الجوّية. يرفض دافعو الضرائب أن تُثقل كاهلهم أعباء مادية إضافية؛ فكلّ ما يريدونه أن تتحسّن قدرتهم الشرائية، لا أن تتراجع.
ما يُقلق الرئيس ترامب انتخابيًّا هو الانعكاسات السلبية لسياساته الخارجية على الداخل، أكثر من أيّ ملف دولي بحدّ ذاته. فالحرب بين روسيا وأوكرانيا أو الحرب في الشرق الأوسط لا تتصدّر اهتمامات "اليانكيز" اليومية، وإن ظلّت مؤثّرة. لكن المعضلة تكمن في أن نحو 8 من كلّ 10 أميركيين باتوا يقولون إن أسعار الوقود تضغط على ميزانيات أسرهم. يتفاخر الرئيس الجمهوري بقوّة الاقتصاد الأميركي، وهو محقّ تمامًا، بيد أن سؤال الناخب ليس: "هل الاقتصاد جيّد؟"، بل: "هل أحوالي اليوم أفضل مما كانت سابقًا؟". يخشى الجمهوريون أن يكرّر ترامب خطأ بايدن، الذي بدا منفصلًا عن الواقع حين كان يتحدّث بسريالية عن أوضاع معيشية ممتازة، فيما كانت الأسر تُكافح للصمود حتى حلول موعد الراتب التالي.
إذا لم تحدث تطوّرات ترتدّ إيجابًا على أحوال الأسر، فإنّ ترامب سيتلقّى درسًا قاسيًا مفاده أنّ الخطابات التعبوية لا تُجدي نفعًا مع الناخبين الغاضبين من التضخّم، ولا تُقنع من يملأ خزّان سيّارته بأنّه لا يدفع أكثر. فالذاكرة قصيرة في كلّ شيء تقريبًا إلّا حين يتعلّق الأمر بالأسعار. والناخب الأميركي لا يطيق تنظير المسؤولين وإنكارهم واقعًا يلمسه يوميًّا ويدفع أعباءه من جيبه. ويبدو هذا التبرّؤ الساذج ضربًا من الاستعلاء الوقح سينعكس على الانتخابات النصفية؛ فما يَستنزف المحفظة وبطاقة الدفع سيتحوّل إلى تصويت عقابيّ في صناديق 3 تشرين الثاني.
كان الملف الاقتصادي حاسمًا في فوز ترامب بالرئاسة عام 2024، فهل ينقلب السحر على الساحر هذه المرّة؟ إذا خسر الجمهوريون مجلس النواب، وربّما مجلس الشيوخ، فلن يكون ذلك بفضل جهود الديموقراطيين وبرامج أجنحتهم المختلفة، وإنما نتيجة صعوبة تحمّل تكاليف المعيشة، التي غدت اليوم "الحليف" الأبرز للحزب الأزرق. فكلّ ارتفاع ملحوظ في سعر غالون البنزين وأسعار البقالة والسكن ينال من شعبية الرئيس، فضلًا عن عوامل ضارّة أخرى تُلقي بظلالها على آراء الناخبين. ولأنّ انتخابات التجديد النصفي تُعدّ استفتاءً على أداء الرئيس، فإنّ ترامب يواجه تحدّيًا هائلًا.
اعتاد الرؤساء أن ينأوا بأنفسهم، إلى حدٍّ ما، عن الحملات التي تسبق هذه الانتخابات. لكنّ ترامب، المتراجع شعبيًّا والمُتّهم بخرق أخلاقيات الحكم، خالف هذه القاعدة، وألقى بثقله في حملات "الدوائر الساخنة"، طالبًا من مؤيّديه أن يتصرّفوا كما لو أنّه هو المرشّح. ومع أنّ لا شيء مستحيل في عالم السياسة، يبدو إفلات ترامب من المحاسبة صعبًا. لذا، يتمحور السؤال حول حجم الخسارة الانتخابية التي يُتوقّع أن يتكبّدها حزبه.