شادي الياس

دكّان الحيّ الى زوال في مواجهة الحداثة

3 دقائق للقراءة
حماية دكّان الحيّ ليست مجرّد حنين إلى الماضي بل هي حماية لنموذج اقتصادي واجتماعي تضامني.

في أزقّة بيروت وشوارع ضواحيها، لا تُقاس المساحات بالأمتار، بل بالذكريات ووجوه أصحابها. هنا في بيروت، بين باعة الخضار ومحلات السمانة الصغيرة، تجد نسيجاً يعود لعقود طويلة، تفوح منه رائحة القهوة والصبحيّات والثقة، تدخل إلى هذه المحال لتشتري بعض المعلبات والفواكه، لتخرج محاطاً بسلامٍ وفرحة، وسؤالٍ عن العائلة، وضمانةٍ غير مكتوبة بأنك في حيّك وبين أهلك. الدكّان في لبنان لم يكن يوماً مجرّد محل تجاري، بل كان مؤسسة اجتماعية، ومساحة تلاقٍ بين سكّان الحيّ، وصندوق ضمان مصغّراً يفتح دفتره لِيُدَيّنَ جاره في ظروفه الاقتصادية الصعبة.

​لكنّ شوارع لبنان تغيّرت، ومع زحف نمط الحياة الحديثة، دخل إلى السوق اللبنانية مستثمرون أجانب كبار، برؤوس أموالهم الضخمة، جالبين معهم فكرة، تحاكي تجارب العواصم الاستهلاكية الكبرى. شوارعنا في بيروت التي بُنيت تاريخياً على شكل أحياء، محدودة المساحة والعدد السكاني، وجد فيها هؤلاء المستثمرون ساحة مفتوحة لاستقطاب القوّة الشرائية، بتقديم تجربة تبضّع توفّر كل شيء تحت سقف واحد وفي موقف سيارات واحد، وبمكيفات عامة في الصيف تيسّر أسلوب الحياة. فبدأ الكثير من اللبنانيين من دون وعي مباشر يهملون دكّان الحيّ التقليدي الذي لطالما كان ملجأهم، وتحوّل المشهد تدريجياً إلى أكياس في اليدّ تحمل شعارات محلّات عالمية عملاقة، في الوقت نفسه الذي يقف فيه أمهات وآباء أسسوا دكاكينهم منذ ثلاثين أو أربعين سنة، ينظرون بأسى إلى الحركة التجارية الهائلة في هذه المجمّعات بالقرب منهم. إنها مفارقة مؤلمة، فهذه المحال الكبرى لا تؤثر فقط على النسيج الاجتماعي، بل أحدثت خللاً اقتصادياً عميقاً، إذ إن الأرباح العائدة من هذه الاستثمارات الخارجية غالباً ما تستنزف القوة الشرائيّة للمواطنين وتتجه أرباحها الصافية إلى خارج لبنان، بدلاً من أن تبقى تدور في الدورة الاقتصادية المحليّة وبين أبناء الحيّ والمنطقة.

​هذا الوضع الحالي وضع مئاتٍ من أصحاب الدكاكين الصغيرة، ومن كبار السنّ والعائلات الكادحة، أمام تحدٍ وجوديّ حقيقيّ. لم تعد المسألة منافسة تجارية شريفة بين أحجام متكافئة، بل باتت مواجهة غير متكافئة بين حيتان التجارة برؤوس أموالها الهائلة، وبين عائلات لم تعد تملك سوى دكّان صغير لتسد به حاجات يومها وتضمن استمرار عيشها بحدّه الأدنى واستقرار طبيعي في لبنان. إن حماية دكان الحيّ ليست مجرّد حنين إلى الماضي، بل هي حماية لنموذج اقتصادي واجتماعي تضامني، وهو أصدق ما يعبر عن روح لبنان.

​لذلك، على الجهات المعنية والبلديات والدولة تشريع ضوابط وقوانين تنظيميّة تحمي هذه المحال الصغيرة من الزوال، وتحدد أماكن انتشار المجمّعات الضخمة على أطراف المدن لا داخل الأحياء، وتفرض ضرائب إضافية على المجمّعات الأجنبية مع إعفاء الدكاكين الصغيرة من الرسوم البلدية والمالية وغيرها بمحاولة للمساوات، لكي يستطيع صاحب هذه المحال الاستمرار في العيش، ويحافظ على ما تبقّى من هذا النموذج الفريد من الإلفة والمودّة والتواصل بين أبناء الأحياء. فهل رأيتم أحداً يتكلم مع أحدٍ من المارّة في المجمّعات الضخمة؟ لا، لأن لبنان بصورته الاجتماعية يتغيّر، ويتراجع، ويخسر جزءاً أصيلاً من هويته وذاكرة شوارعه ونموذجه.