يوسف يونس

بين طمأنة ما قبل 17 تشرين والتحذير من الإنفاق اليوم… هل تتقدم الحسابات المالية مجددًا على الأزمة المعيشية؟

من علي حسن خليل إلى ياسين جابر: هل تتكرر المقاربة؟

5 دقائق للقراءة
علي حسن خليل وياسين جابر


قبل أقل من شهر على اندلاع انتفاضة 17 تشرين الأول 2019، كان وزير المال آنذاك علي حسن خليل يؤكد أن لبنان ليس بلدًا منهارًا ماليًا، وأن الدولة لا تزال قادرة على الوفاء بالتزاماتها. وفي الوقت نفسه، كان رئيس الحكومة سعد الحريري يتحدث عن الإصلاحات واستعادة الثقة، فيما كانت الضغوط الاقتصادية والمعيشية تتراكم بعيدًا عن لغة الطمأنة الرسمية.

بعد سبع سنوات، وفي ظل أزمة طاقة عالمية تنعكس مباشرة على كلفة الكهرباء والنقل والإنتاج وأسعار السلع، يعود السؤال نفسه إلى الواجهة مع وزير المال الحالي ياسين جابر: هل تتكرر المقاربة التي سبقت 17 تشرين، حين تقدمت الحسابات المالية على تقدير حجم الاحتقان الاجتماعي، أم أن التجربة السابقة غيّرت طريقة تعاطي السلطة مع الأزمات المعيشية؟

من طمأنة الأمس إلى تحذيرات اليوم

في أيلول 2019، كان علي حسن خليل يقرّ بصعوبة الوضع الاقتصادي وتراجع النمو، لكنه يحرص على التأكيد أن الدولة لم تصل إلى مرحلة الانهيار، وأن الإجراءات المالية قادرة على احتواء الأزمة.

لم تكن المشكلة في الدعوة إلى ضبط العجز، بل في الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع المعيشي. وبعد أسابيع، كشفت احتجاجات 17 تشرين أن الغضب الشعبي تجاوز بكثير الضريبة المقترحة على اتصالات واتساب.

اليوم، يواجه ياسين جابر ظروفًا مختلفة، لكنه يعتمد خطابًا يضع الانضباط المالي وحماية الاستقرار النقدي في مقدمة الأولويات، ويحذر من الإنفاق غير الممول.

صحيح أن لبنان دفع ثمنًا باهظًا للسياسات المالية السابقة، وأن حماية الاستقرار النقدي ضرورة، لكن الأزمة المعيشية الحالية لا تحتمل الاكتفاء بالتحذيرات. فارتفاع أسعار الطاقة عالميًا يهدد بموجة إضافية من الغلاء، في اقتصاد لم تستعد فيه المداخيل قدرتها الشرائية.

والسؤال ليس لماذا يجب ضبط الإنفاق، بل ماذا تفعل وزارة المال لتخفيف كلفة الأزمة على المواطنين؟

أزمة الكهرباء تكشف حدود المقاربة المالية

تقدم أزمة الكهرباء مثالًا واضحًا على الحاجة إلى الانتقال من التحذير إلى المعالجة.

فقد أعلنت مؤسسة كهرباء لبنان في آب 2026 أن سعر طن الغاز أويل قارب 1500 دولار، بعدما وضعت موازنتها على أساس نحو 680 دولارًا. وحذرت من أن ارتفاع كلفة الفيول، إلى جانب ضعف الجباية وتراكم المستحقات على الإدارات والمؤسسات العامة، يهدد استمرارية التغذية.

وهنا تبرز مسؤولية وزارة المال في المساهمة بمعالجة مستحقات مؤسسة الكهرباء على الوزارات والمؤسسات العامة، بدل ترك المؤسسة تواجه نقص السيولة واحتمال تقليص الإنتاج أو زيادة التعرفة.

وقد شدد وزير الطاقة جو الصدي على أن هذه الأموال ليست سلفة جديدة ولا دينًا إضافيًا، بل مستحقات لقاء استهلاك الكهرباء.

فكيف يمكن مطالبة مؤسسة كهرباء لبنان بالحفاظ على التغذية والتعرفة، بينما تتأخر مؤسسات الدولة نفسها في تسديد فواتيرها؟

إن تسوية هذه المستحقات ليست مجرد إجراء محاسبي، بل خطوة عملية يمكن أن تخفف الضغط المالي على المؤسسة، وتحد من انتقال كلفة الأزمة إلى المواطنين.

التعرفة المتحركة بدل تحميل المواطن كامل الكلفة

من الحلول التي تستحق البحث الجدي اعتماد تعرفة كهربائية متحركة مرتبطة بكلفة الإنتاج وأسعار الوقود، وفق آلية شفافة تراعي التقلبات العالمية وتحمي الاستهلاك الأساسي للأسر.

ولا تعني هذه الآلية رفع الأسعار تلقائيًا، بل يمكن أن تتضمن سقوفًا للتغيرات المفاجئة، وتخفيض التعرفة عند تراجع أسعار الوقود، وتوزيع أثر الصدمات الاستثنائية على فترات زمنية محددة.

وهنا يُفترض أن تؤدي وزارة المال دورًا أساسيًا في تحديد الخيارات التمويلية التي تسمح بحماية المواطنين من الارتفاعات الحادة، من دون تعريض المالية العامة لاختلالات جديدة.

فالمطلوب ليس إنفاقًا بلا ضوابط، بل استخدام الأدوات المالية المتاحة لإدارة الأزمة بدل الاكتفاء بشرح صعوبة تمويل الحلول.

الضغوط الاجتماعية تتراكم

لا تتوقف تداعيات أزمة الطاقة عند الكهرباء، بل تمتد إلى النقل والإنتاج وأسعار السلع والخدمات، وتزيد الأعباء على العائلات والمؤسسات الصغيرة.

وتأتي تهديدات موظفي القطاع العام بالإضراب والمطالب المتزايدة بتصحيح الرواتب لتشكل مؤشرًا إضافيًا على اتساع الضغوط الاجتماعية التي تواجه الحكومة.

لكن المشكلة أوسع من مطالب قطاعية محددة. إنها أزمة قدرة شرائية تتفاقم مع كل ارتفاع في كلفة الطاقة، وتتطلب إجراءات حكومية عاجلة لا ترتبط فقط بإصلاحات اقتصادية طويلة الأمد.

وزير المال في الواجهة… والحكومة مسؤولة

لا تقع مسؤولية معالجة أزمة الطاقة على وزير المال وحده، فوزارة الطاقة ومجلس الوزراء معنيان مباشرة بالقرارات المتعلقة بالكهرباء والتعرفة والإنتاج.

لكن وزارة المال تؤدي دورًا محوريًا في توفير الاعتمادات وتنظيم تسديد المستحقات وتحديد الخيارات المالية.

وفي المقابل، فإن رئيس الحكومة نواف سلام، الذي أصدر تعميمًا يطلب تسديد مستحقات كهرباء لبنان على الإدارات والمؤسسات العامة، يبقى مسؤولًا عن ضمان تنفيذ القرارات وتنسيق عمل الوزارات.

فالمشكلة لا تُحل بمجرد إصدار التعاميم، إذا استمرت العوائق التي تحول دون تطبيقها.

هل تعلّمنا من 17 تشرين؟

في عام 2019، لم تكن الطمأنات المالية كافية لاحتواء أزمة اجتماعية متفاقمة. واليوم، لا تكفي التحذيرات من مخاطر الإنفاق لمواجهة تداعيات أزمة الطاقة.

صحيح أن الظروف مختلفة، وأن لبنان لا يحتمل مغامرات مالية جديدة، لكن حماية الاستقرار النقدي لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر لتأجيل إجراءات يمكن أن تخفف الأعباء المعيشية.

من علي حسن خليل إلى ياسين جابر، يبقى السؤال عن قدرة وزارة المال على النظر إلى ما هو أبعد من أرقام الخزينة.

فالمطلوب اليوم ليس فقط احتساب كلفة معالجة أزمة الطاقة، بل احتساب كلفة التأخر في معالجتها.

وإذا كان درس 17 تشرين قد أظهر شيئًا، فهو أن الاستقرار المالي لا يكفي وحده لضمان الاستقرار الاجتماعي، وأن الأزمات المعيشية لا تنتظر اكتمال الحسابات الحكومية كي تفرض نتائجها على الأرض.