المحامي رفيق اورى غريزي

مئتا مليون دولار... ودولةٌ تقرأ أخبارها في الصحف

5 دقائق للقراءة

في السابع من تشرين الأول، استيقظ اللبنانيون على خبر من رويترز: مئتا مليون دولار وصلت من طهران إلى حزب الله، نقداً، لتوزَّع على النازحين. وفي اليوم نفسه، قالت واشنطن إن المال غير موجود، وإن الخبر حكاية لحفظ ماء الوجه. أما الحكومة اللبنانية، صاحبة الحدود والمطار والمرفأ والمصرف المركزي، فلم تقل شيئاً. كانت، على ما يبدو، تقرأ الخبر مثلنا.

هنا بيت القصيد. لا يعنيني، كمحامٍ، أن أحسم بين مصدرين مجهولين وناطق أميركي. ما يعنيني أن الدولة اللبنانية هي الطرف الوحيد في هذه القصة الذي لا يعرف. في البلدان الطبيعية، حين يُقال إن مئتي مليون دولار عبرت الحدود، تسأل الصحافةُ الدولة. في لبنان، تسأل الدولةُ الصحافة.

والمفارقة أن القانون لا ينقصه شيء. لدينا منذ 2015 قانون لمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب يجعل من كل صرّاف وكاتب عدل وتاجر ذهب عيناً للدولة على المال، وقانون يُلزم من يدخل البلاد بأكثر من خمسة عشر ألف دولار نقداً بالتصريح عنها وعن مصدرها، وهيئة تحقيق خاصة ترفع السرية وتجمّد الحسابات. وفي 2025 عدّلنا قانون السرية المصرفية، ومنع مصرف لبنان بالتعميم 170 كل مؤسسة مرخصة من التعامل مع الجمعيات غير المرخصة والكيانات المعاقبة دولياً، ثم صار على من يحوّل ألف دولار أن يملأ استمارة ويُثبت مصدر ماله.

هكذا صار المواطن الذي يرسل إلى ابنه في الخارج قسط الجامعة يُستجوب عند شبّاك التحويل، فيما تعبر الملايين بلا شبّاك ولا استمارة ولا سؤال. الدولة صارمة مع من يطرق الباب، رحيمة بمن يدخل من النافذة. هذا ليس قانوناً يُطبَّق، بل قانون يُنتقى.

والنوافذ مشرّعة على أكثر من مصراعيها. في الأول من تشرين الأول أعلن الجيش إحباط تهريب نحو 245 كيلوغراماً من مادة TNT من الأراضي السورية، وفرّ المهرّبون. ما يعبر بالمتفجرات يعبر بالدولارات، والحدود التي لا تُضبط لا تميّز بين حقيبة مال وصندوق موت.

خذوا القرض الحسن. في الأوراق الرسمية هو جمعية، نال علماً وخبراً من وزارة الداخلية كما ينال نادٍ رياضي أو جوقة كنسية. وفي الواقع، يتلقى الودائع ويمنح القروض برهن الذهب، ويدير عشرات الفروع وآلات الصرف الآلي. هذا، بلغة قانون النقد والتسليف، عمل مصرفي، والعمل المصرفي بلا ترخيص مخالفة يعاقب عليها القانون. وحين يُسأل المسؤولون لماذا لا يُقفل، يشيرون إلى مصرف لبنان، ومصرف لبنان يجيب، محقّاً، بأنه لا سلطة له على من لم يرخّص له. فالإقفال قرار تملكه الحكومة بسحب العلم والخبر، ويملكه القضاء بالملاحقة. أحال وزير العدل الملف إلى النيابة العامة التمييزية، ثم ساد الصمت. كأن الملف دخل، هو الآخر، من النافذة. والأدهى أن أي مساعدة سيوزعها الحزب على ناسه ستمر عبر هذه المؤسسة تحديداً، فيصبح التردد في إقفالها شراكةً صامتة في ما يجري عبرها.

وخذوا بنك صادرات إيران في بيروت: فرعٌ مرخص من مصرف لبنان لمصرف مدرج على لوائح العقوبات الأميركية منذ قرابة عشرين عاماً. يقول قائل: لبنان غير ملزم بالعقوبات الأحادية. صحيح، قانوناً. لكن كل دولار في لبنان يمرّ في آخر رحلته بمصرف مراسل في نيويورك، والمصرف المراسل لا يقرأ الدستور اللبناني، بل يقرأ لوائح الخزانة. وقد رأينا في آب الماضي واشنطن تقطع فروع مصرف عربي كبير في الإمارات عن النظام المالي الأميركي بسبب تعاملات مع شبكات إيرانية. لم يسأل أحد يومها عن السيادة.

ولم تعد واشنطن تكتفي بالمطالبة. فبحسب المعلومات المتداولة، ثمة تنسيق مفتوح بين الخزانة الأميركية والإدارات اللبنانية، وضغط يتركز على شركات الصيرفة والمؤسسات المالية المرتبطة بالحزب، وعلى منع وصوله إلى أي مساعدة تقدمها الدولة، وصولاً إلى اعتراض على تمويل مجلس الجنوب، وتلويح بعقوبات تطال مسؤولين وشخصيات وصرافين. والسقف لم يعد السلاح وحده، بل البنية المؤسسية كلها.

هنا يقف لبنان أمام مأزق لا يحلّه الصراخ السيادي. مجلس الجنوب مؤسسة عامة، والجنوب المدمَّر يحتاج إليها أكثر من أي وقت. لكن الجواب القانوني بسيط: المال العام يُنفَق عبر مناقصات علنية، وتحت رقابة ديوان المحاسبة، وعلى لوائح متضررين تضعها الدولة لا الأحزاب. حين تفعل الدولة ذلك، تسقط ذريعة الخارج وذريعة الداخل معاً. وحين لا تفعل، تمنح الطرفين ما يريدان.

في المقابل، يراهن الحزب على الوقت: على تبدّل إقليمي يخفف الضغط، وعلى انتخابات أميركية وإسرائيلية قد تغيّر الوجوه. لكن ملفات الخزانة الأميركية لا تتبدّل بتبدّل الإدارات؛ فالعقوبات على القرض الحسن تعود إلى 2007، وعبرت إدارات جمهورية وديمقراطية دون أن تسقط. والرهان على الوقت، في بلد تنتهي خطة عمله مع مجموعة العمل المالي آخر هذا العام، رهانٌ بأموال اللبنانيين لا بأموال المراهنين.

أما الثمن، فلن يدفعه من يحمل الحقائب. لبنان على اللائحة الرمادية منذ تشرين الأول 2024، وأبقته المجموعة عليها في حزيران الماضي، قائلةً بلغة دبلوماسية ما معناه: لا نريد قوانين جديدة، نريد أحكاماً. أمام الدولة إذاً ثلاثة طرق: أن تحسم فتخرج من اللائحة؛ أو أن تواصل الإجراءات الجزئية فتربح وقتاً وتخسر ثقة؛ أو أن تتراجع فتفتح الباب لعقوبات تطال مصارفها ومسؤوليها، ولائحة سوداء تجعل كل تحويل إلى لبنان مغامرة. وفي الطريقين الأخيرين، يدفع النازح نفسه الثمن، إذ لن يموّل أحد إعادة إعمار بيته في بلد يدخله مالٌ لا يعرفه أحد.

يذكّرنا المشهد برجل يقفل بابه بثلاثة أقفال، ويترك الشبابيك مفتوحة. دولتنا اليوم هي هذا الرجل، مع فارق صغير: أنها تعرف تماماً أين الشبابيك.

الدولة الواحدة لا تحتمل جيشين، ولا تحتمل نظامين ماليين. والسيادة ليست أن نرفض ما يطلبه الخارج، بل أن نطبّق على أنفسنا ما كتبناه بأيدينا. وإلى أن تفعل، ستبقى الدولة اللبنانية تقرأ أخبارها في الصحف، مثل أي مواطن آخر. مع فارق أن المواطن، على الأقل، لا يدّعي أنه دولة.