نبيل يوسف

اتفاق القاهرة: هل كان شرًّا لا بدّ منه؟

9 دقائق للقراءة
جمال عبد الناصر وياسر عرفات

في 2 تشرين الثاني 1969 وقع في القاهرة اتفاق ما بين الدولة اللبنانية ممثلة بقائد الجيش العماد إميل البستاني ومنظمة التحرير الفلسطينية ممثلة برئيس الهيئة الننفيذية فيها ياسر عرفات لتنظيم العمل الفلسطيني المسلّح في لبنان.

57 سنة وما زال الانقسام في البلد حول هذا الاتفاق، فما قصته وماذا جرى يومها؟

بعد حرب 1967 أخذ الوجود الفلسطيني المدني والعسكري يتفاقم في لبنان، ومذ ذاك دخل العامل الإسرائيلي في قلب المعادلة اللبنانية: الفدائيون الفلسطينيون يهاجمون أرضهم المغتصبة منطلقين من قواعد عسكرية أقاموها في جنوب لبنان، فترد اسرائيل باعتداءات تطال البلدات والأحياء السكنية في الجنوب عوض استهداف المواقع الفلسطينية، في تكتيك لإرغام الأهالي على التذمر لتعرض بيوتهم وممتلكاتهم للخراب، وحملهم على التخلي عن دعم المقاومين الفلسطينيين.

ومن المعروف أنه عندما تأسست منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964 تم الاتفاق بين الأنظمة العربية على أن لا تقام قواعد عسكرية فلسطينية في لبنان، وأن الفلسطينيين المقيمين فيه، إذا ما التحقوا بجيش التحرير الفلسطيني لن يسمح لهم بالعودة إلى لبنان، وأجمعت الدول العربية على إقرار هذه السياسة انطلاقًا من أن في لبنان وضعًا داخليًا سياسيًا حساسًا لا يسمح له بتحمل قيام عمليات عسكرية انطلاقًا من أراضيه، ولكن لم تلتزم منظمة التحرير الفلسطينية يومًا بهذا الاتفاق.

ارتفع مستوى الهجمات الفلسطينية وعددها باطراد، ولم تعد تكتفي بتسلل خاطف وزرع عبوات صغيرة على طريقة عصابات وشلل متفرقة وأحيانًا غير منسقة، واقتربت أكثر فأكثر من الاحتراف تنظيمًا وتدريبًا وامتلاك أسلحة مختلفة ومنها لا علاقة له بحرب العصابات والكمائن.

أولى بشائر القوة الفلسطينية في لبنان ظهرت في نيسان 1968، عندما تحولت جنازة لبناني يدعى خليل الجمل كان يقاتل مع المنظمات الفسطينية في الأردن إلى عرض ضخم للقوة ومظهر دعم للعمل الفدائي، وشارك في جنازته رئيس الحكومة عبد الله اليافي، وفي محاولة منه لتخفيف الاحتقان شارك رئيس حزب الكتائب اللبنانية الشيخ بيار الجميل في الجنازة، وطُلب من البلدات المسيحية خاصة الكحالة استقبال النعش في إشارة دعم للعمل الفلسطيني.

صيف 1968 أخذ عدد الفلسطينيين المتسللين من سوريا الى منطقة العرقوب الجنوبية يتزايد، ووقعت صدامات بين الفلسطينيين المتسللين ودوريات الجيش اللبناني والدرك.

أهم المواجهات وقعت في 29 تشرين الأول 1968 في قرية حلتا في العرقوب كانت حصيلتها مقتل فدائي فلسطيني وإصابة اثنين آخرين بجروح أحدهما سوري الجنسية، وفي اليوم التالي شنت أسرائيل أول عملية عسكرية داخل الأراضي اللبنانية استهدفت معسكرًا لمنظمة فتح.

بعد هذا الاصطدام والغارة عقد اجتماع ضم عن الجانب اللبناني قائد الجيش العماد إميل البستاني ورئيس الأركان العميد يوسف شميط ورئيس الشعبة الثانية المقدم غابي لحود، فيما مثل الجانب الفلسطيني عدد من مندوبي المنظمات الفلسطينية.

الجانب الفلسطيني قال إن المقاتلين قدموا من سوريا وكانوا ينوون مهاجمة أهداف داخل إسرائيل، ولا بدّ من مرورهم عبر الأراضي اللبنانية.

أجاب قائد الجيش بأن لبنان لن يسمح بتسلل كهذا، ثم شرح موقف لبنان من هذا النوع من النشاط العسكري، وشدد على أن لبنان وقّع اتفاق الهدنة مع إسرائيل في العام 1949 وهو لا يزال ساري المفعول، ولبنان لا يستطيع انتهاك هذا الاتفاق، ومن ثم العمليات العسكرية بين البلاد العربية وإسرائيل تشكل جزءًا من الاستراتيجية العسكرية في ظل القيادة العربية المشتركة، ولبنان لا يمكنه أن يسمح بأي توتر على الحدود مع إسرائيل من دون التنسيق مع تلك القيادة، وشدد على أن كل هجوم يشنه الفدائيون من الأراضي اللبنانية يؤدي إلى أن تنتقم اسرائيل بغارات على المدنيين اللبنانيين.

خرج المجتمعون بوعد فلسطيني بدراسة وقف عمليات التسلل من لبنان، وتم اطلاع رئيس الجمهورية شارل حلو ورئيس الحكومة عبد الله اليافي على المداولات والنتيجة التي خلص إليها الاجتماع.

تصعيد العمليات الحربية في الجنوب اللبناني، أدى للمرّة الأولى في تاريح لبنان إلى أول موجة هروب ونزوح لسكان القرى الحدودية باتجاه بيروت، وبدأ ما يعرف بحزام البؤس الذي يلف العاصمة بيروت.

في مقابل ما كان يحدث في الجنوب، كانت شوارع بيروت تغلي، ففي أواخر تشرين الثاني انطلقت تظاهرة طالبية احتجاجًا "على رفض السلطات الأردنية تجاوزات الفصائل الفلسطينية على أرضها"، وعندما حاول بعض المتظاهرين الدخول إلى أحياء بيروت الشرقية، وقيامهم بأعمال شغب تصدى لهم شباب المنطقة وأرجعوهم إلى الشوارع التي انطلقوا منها بعد أن اسقطوا منهم عدة جرحى.

في اليوم التالي، تجمع بعض الطلاب أمام مبنى الأونيسكو المقر الموقت لمجلس النواب الذي كان يجري ترميم مبناه في ساحة النجمة، وأنزلوا العلم اللبناني ورفعوا صورة ضخمة للرئيس المصري جمال عبد الناصر على واجهته، ما ولّد رفضًا شديدًا لهذا العمل المستنكر، وسارعت القوى الأمنية لانزال صورة عبد الناصر وإعادة رفع العلم اللبناني.

أما الفلسطينيون فرغم كل الوعود التي أطلقها قادتهم، استمروا في عمليات التسلل من الحدود الجنوبية إلى داخل الأراضي الفلسطينية، واستهداف الاسرائيليين في بعض دول العالم، ورافقتها عمليات انتقامية إسرائيلية، وكان ذروة الرد الإسرائيلي ما جرى مساء السبت 28 كانون الأول 1968 عندما دمّر كومندوس إسرائيلي طائرات مدنية لبنانية عدّة كانت جاثمة على أرض المطار.


لماذا تم تدمير الطائرات المدنية اللبنانية؟

الخميس 26 كانون الأول 1968 هاجمت مجموعة من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين طائرة ركاب إسرائيلية في مطار أثينا أوقعت  قتلى في صفوف الإسرائيليين، وعلى الفور هددت الإذاعة الإسرائيلية لبنان متهمة منفذي عملية أثينا من أنهم انطلقوا من مطار بيروت لتنفيذ عمليتهم، وعند الساعة التاسعة والربع من مساء ذلك السبت نزلت على مدرج مطار بيروت طوافتان عسكريتان إسرائيليتان، نزل منهما فرقة مظليين زرعوا عبوات ناسفة في 13 طائرة ركاب تابعة لطيران الشرق الأوسط وفجروها في عملية لم تسغرق أكثر من 20 دقيقة.

كان لهذه العملية آثار شديدة الخطورة على السياسة اللبنانية الداخلية، وضمنًا على العلاقات اللبنانية – الفلسطينية، وبناء لشكوى تقدم بها لبنان أصدر مجلس الأمن الدولي القرار رقم 262 متضمنًا إدانة إسرائيل وتحذيرها من مغبة القيام بأعمال عسكرية مماثلة، كما فرض الرئيس الفرنسي شارل ديغول حظرًا على بيع إسرائيل 50 طائرة حربية مقاتلة من طراز ميراج.

لم تمض أيام على الغارة حتى قدّم رئيس الحكومة عبد الله اليافي استقالته معلنًا دعمه غير المشروط للعمل الفدائي مطلقًا قوله "أنا أول الفدائيين".

بعد الغارة بأسبوعين شكّل الرئيس رشيد كرامي الحكومة الجديدة، وكانت البلاد أصبحت تقريبًا أمام انقسام سياسي حاد محوره طبيعة الوجود الفلسطيني في لبنان خاصة المسلح منه، وتداعياته على الوضع اللبناني وعلاقات لبنان العربية والاقليمة والدولية.

لخص يومها صاحب ورئيس تحرير صحيفة النهار الأستاذ غسان تويني الوضع بالقول: "لقد دخل لبنان حرب العام 1967 ولكن من الباب الخلفي".

لم يستطع رئيس الحكومة رشيد كرامي القريب من المنظمات الفلسطينية استيعاب الوضع، وبقي الفدائيون الفلسطينيون يتسللون من سوريا ويصطدمون بالجيش اللبناني.

بحسب رأي جورج حاوي، الأمين العام السابق للحزب الشيوعي اللبناني، فإن المواجهات مع السلطات اللبنانية كانت جزءًا من استراتيجية حركة "فتح" بغية تأسيس وجود عسكري دائم في لبنان. فياسر عرفات لم يكن يومها مطمئنًا إلى الأوضاع السائدة في الأردن، ولا إلى قدرة منظمة التحرير الفلسطينية على السيطرة على الوضع هناك، كما كان يدعو بعض القادة الفلسطينيين. لذلك، كان لا بد من إيجاد البدائل، وأحد تلك البدائل كان تقوية وجود "فتح" في لبنان و"خلق وقائع جديدة على الأرض"، خصوصًا أن الوضع في لبنان بدا ملائمًا، أكان داخل المخيمات أم في ضوء الدعم المتنامي لمنظمة التحرير الفلسطينية. لقد رأى عرفات في لبنان ساحة مواجهة مهمة، وكانت "فتح" قد نشطت في لبنان منذ عام 1965، وبدأت منذ ذلك الحين تنشئ بناها التحتية وتحشد الأنصار، ومن هؤلاء "حركة مساندة فتح"، وكان الرجلان الرئيسيان فيها رفيق البلعة ورفيق شاتيلا.

يقول الصحافي نقولا ناصيف في كتابه "المكتب الثاني حاكم في الظل": بلغت ذروة الانتشار الفلسطيني عام 1969 عندما قدّرت تقارير أمنية عدد الفدائيين الفلسطينيين المنتشرين في العرقوب بـ7800 مسلح موزعين على قواعد عسكرية ومقار قيادة ومستوصفات ومستودعات ذخائر مزودين بأجهزة لاسلكي وبنادق ومدافع في شبعا وشويا والهبارية وراشيا الفخار وكفرحمام والفريدس وكفرشوبا وحاصبيا، ينتمون في غالبيتهم إلى حركة فتح، ومنظمة الصاعقة والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وجيش التحرير الفلسطيني وجبهة التحرير العربية، ومعززين برجال استخبارات سورية.

جوزف أبو خليل وصف تلك المرحلة بالقول: راحت الأخطار الناجمة عن هذا الانفلاش الفلسطيني ترخي بظلها على الوطن الصغير، وبات على لبنان أن يشرّع أبوابه وحدوده أمام الفدائيين الفلسطينيين، وبكلام آخر أن يضحّي بنفسه فداء للعمل الفدائي، فإطلاق يد هؤلاء يعني أن الدولة تنازلت لهم عن قرار الحرب والسلم، وبالتالي عن سيادتها على أرضها كما على حدودها، من أجل مواجهة مسلّحة ضد إسرائيل معروفة النتائج، وأما الحكم اللبناني فاستمر لسنوات لا يعرف شيئًا عن حجم الوجود الفلسطيني على أرضه وماهيته وقضاياه، وشؤونه وشجونه، كما لم تدرك الثورة الفلسطينية نتائج وأبعاد انزلاقها في القضايا الداخلية اللبنانية وخطر مواجهتها الجيش اللبناني.

يضيف: بعد أن دخلت الثورة الفلسطينية بكل تناقضاتها إلى لبنان، كان من الطبيعي، أن تستقطب معظم الذين اعتبروا أنفسهم من المحرومين من الحقوق الاجتماعية، فضلا عن الأحزاب التي رأت في هذه الثورة باب خلاصها من النظام اللبناني، واختلطت المفاهيم السياسية بالمفاهيم الاجتماعية والطائفية، وظهر التزام خاطىء ومسيء بين الالتزام بالوطن اللبناني الحرّ السيد المستقل، والالتزام بالثورة الفلسطينية والوحدة العربية، ورغم كل التحذيرات ما كانوا مناصري الثورة الفلسطينية يريدون أن يسمعوا سوى صوت الهتافات المنادية بـ"اطلاق حرية العمل الفدائي" و "حفر الخنادق على الحدود" و "تسليح القرى الأمامية" التي ملأت سماء لبنان، وكلما اعترضت وحدات الجيش تسللاً على الحدود سارت التظاهرات في شوارع بيروت احتجاجًا على هذا الاعتراض وتنديدًا به، في حركة تصعيدية لا تقف عند حدّ، كأن الغرض يتعدى الاعتراض والاحتجاج، وأن السلطة السياسية والأمنية هي المستهدفة، وهي التي يجب أن تغيب... وكان ربيع 1969.