لم تكن زيارة الوفد القطري الأخيرة إلى بيروت مجرّد محطة دبلوماسية عابرة في روزنامة اللقاءات الرسمية، ولا مناسبة لتجديد عبارات الدعم التقليدية للبنان، فالدوحة التي لطالما حضرت في المحطات اللبنانية الدقيقة، سياسيًا واقتصاديًا وإنمائيًا، تعود اليوم بمقاربة مختلفة، عنوانها الانتقال من سياسة الهبات والمساعدات إلى الاستثمار المباشر في البنى التحتية والمرافق الحيوية، بما يؤسّس لشراكة طويلة الأمد مع الدولة اللبنانية، في مرحلة تتقاطع فيها الحاجة اللبنانية الملحّة إلى النهوض الاقتصادي مع الرغبة القطرية في توسيع حضورها الاستثماري.
وتكتسب الزيارة أهمية خاصة لكونها أتت في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، وفي ظل تحديات اقتصادية ومالية وأمنية لا تزال ترخي بثقلها على الداخل اللبناني، فيما تبدو الدوحة مصمّمة على تثبيت حضورها من بوابة المشاريع الإنتاجية والخدماتية، بعيدًا من منطق المساعدات الظرفية الذي طبع مراحل سابقة.
وفي هذا السياق، كشف مصدر دبلوماسي متابع لـ"نداء الوطن" أن الوفد القطري حمل معه خلال زيارته الأخيرة مجموعة من المشاريع المقترحة لتطوير البنى التحتية اللبنانية على اختلاف أنواعها، على أن تكون البداية من قطاع الطاقة، وتحديدًا المعملين الحراريين، مع الحديث عن تخصيصات أولية بقيمة 800 مليون دولار، مرشّحة للارتفاع مع توسّع المشاريع ودخولها حيّز التنفيذ.
وبحسب المصدر، طرحت قطر حلا شاملا لأزمة الكهرباء في لبنان، لا يقتصر على إنشاء معمل جديد أو تقديم حلول موقتة، بل يقوم على خطة متكاملة للإنتاج وتوفير الغاز وتحديث الشبكة، وفق نظام البناء والتشغيل ونقل الملكية (BOT)، بحيث تتولى قطر التمويل والبناء والتشغيل من دون تحميل الخزينة اللبنانية كلفة استثمارية مسبقة، على أن تنتقل ملكية المنشآت لاحقًا إلى الدولة اللبنانية.
المصدر أكد أن أهمية الطرح القطري لا تكمن في حجم الأموال المطروحة فحسب، بل في طبيعة المقاربة الجديدة التي تعتمدها الدوحة، إذ إن "قطر ستدخل إلى لبنان كمستثمر لا كدولة واهبة"، في تحوّل من شأنه أن يفتح الباب أمام استثمارات واسعة تشمل البنى التحتية وقطاعات النقل والمواصلات والمرافق العامة، وفق صيغ استثمارية طويلة الأمد تضمن استمرارية المشاريع وجدواها الاقتصادية.
وأوضح المصدر أن التصوّر المطروح يقوم على منح الجهات المستثمرة حق إنشاء المشاريع وتشغيلها واستثمار عائداتها لفترات تتراوح بين 15 و20 عامًا، على أن تنتقل ملكيتها وإدارتها بعد انتهاء مدة الاستثمار إلى الدولة اللبنانية، من دون مقابل إضافي، لتصبح أصولًا عامة دائمة يستفيد منها اللبنانيون، وبهذه الصيغة، تتحوّل الاستثمارات القطرية، بعد استيفاء حقوق المستثمر خلال المدة المحددة، إلى مرافق ومنشآت تبقى في عهدة الدولة اللبنانية، في ما يشبه الهبة المستدامة، ولكن بعد دورة استثمارية تضمن تمويل المشروع وتشغيله.
ولا ينحصر الاهتمام القطري بقطاع الكهرباء، على الرغم من تصدّره الأولويات، بل يمتدّ إلى قطاعات حيوية أخرى، ولا سيما النقل والمواصلات وتحديث المرافق العامة، في إطار توجّه يهدف إلى معالجة بعض الاختلالات البنيوية التي تعاني منها الدولة اللبنانية منذ عقود، وأشار المصدر إلى أن الدوحة تنظر إلى هذه المشاريع باعتبارها استثمارات استراتيجية طويلة الأمد، لا مجرّد مبادرات إنقاذية محدودة المفاعيل.
أما في ملف إعادة الإعمار، فقد حملت الزيارة إشارات سياسية لا تقلّ أهمية عن المشاريع الاقتصادية المطروحة، إذ كشف المصدر الدبلوماسي أن قطر أبدت استعدادها للدخول على خط إعادة إعمار المناطق المتضرّرة، ولكن ضمن مقاربة مختلفة عن تلك التي اعتمدتها في مراحل سابقة، تقوم هذه المرة على التنسيق المباشر مع الولايات المتحدة الأميركية، ومن دون انتظار تبلور إجماع خليجي شامل على الانخراط في هذا الملف.
ويؤكد المصدر أن الدوحة لا تعتزم استباق الموقف الأميركي أو التحرّك بمعزل عنه، بل تسعى إلى أن تكون شريكًا أساسيًا في أي مسار مقبل لإعادة الإعمار، بما يعكس مستوى التنسيق القائم بين الجانبين الأميركي والقطري في مقاربة الملف اللبناني، وهذا التوجّه يمنح الحضور القطري بعدًا سياسيًا إضافيًا، يتجاوز حدود التمويل إلى المشاركة في رسم ملامح المرحلة المقبلة، من ضمن التفاهمات الإقليمية والدولية المرتبطة باستقرار لبنان.
وفي موازاة البعد الاقتصادي، يشدّد المصدر على أن ما يميز الدور القطري في لبنان هو شبكة العلاقات الشخصية والسياسية التي نسجتها الدوحة على امتداد سنوات مع مختلف الأفرقاء اللبنانيين، من دون حصر قنوات التواصل بطرف أو فريق دون آخر، وهي علاقات، بحسب المصدر، "ليست وليدة اللحظة"، بل تقوم على تراكم طويل من الثقة والتواصل المباشر مع شخصيات سياسية وقيادات حزبية من اتجاهات مختلفة.
أضاف أن هذه العلاقات لا تبقى محصورة بالإطار السياسي، بل غالبًا ما تجد ترجمتها في مشاريع إنمائية وخدماتية تطال مناطق لبنانية متعددة، بما يعكس خصوصية الحضور القطري وقدرته على الحفاظ على قنوات مفتوحة مع مختلف المكوّنات اللبنانية، حتى في أكثر المراحل الداخلية انقسامًا.
وفي ما يتصل بالحديث المتجدد عن إمكان استضافة الدوحة مؤتمرًا للحوار اللبناني، على غرار مؤتمر عام 2008، حسم المصدر الدبلوماسي هذا الجدل، مؤكدًا في رده على سؤال لـ"نداء الوطن" أن "لا مؤتمر دوحة جديدًا"، وأن قطر لا تبدي أي رغبة في إطلاق مسار حواري مماثل في المرحلة الراهنة.
ويأتي هذا الموقف في ضوء الكلام الأخير للرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، وما أثاره من نقاش حول إمكان العودة إلى صيغة حوارية برعاية قطرية، غير أن المصدر يؤكد أن أولويات الدوحة اليوم تختلف عن تلك التي حكمت تدخّلها السياسي في عام 2008، وأن اهتمامها ينصبّ على دعم الاستقرار والمساهمة في النهوض الاقتصادي وإعادة الإعمار، من دون الدخول في مسار سياسي جديد يعيد إنتاج تجربة مؤتمر الدوحة.
على أن الاندفاعة القطرية، على أهميتها، لا تعني أن المشاريع المطروحة باتت جاهزة للتنفيذ الفوري، فالمصدر الدبلوماسي يكشف أن المشاريع المرتبطة بإعادة الإعمار لا تزال معلقة في الوقت الراهن، بانتظار اتضاح مسار التطورات الإقليمية، ولا سيما في منطقة الخليج العربي، في ظل تداعيات العدوان الإيراني وما يرافقه من ترقب للحلول السياسية والدبلوماسية المرتقبة لإنهاء التصعيد وإعادة الاستقرار إلى المنطقة.
وبحسب المصدر، فإن الانتقال إلى المرحلة التنفيذية في ملف إعادة الإعمار يبقى مرتبطًا بتبلور هذه المعطيات، على أن يعاد البحث في المشاريع وآليات تمويلها وتنفيذها عندما تسمح الظروف الإقليمية بذلك، وبالتنسيق مع الجانب الأميركي.
وبين "شكرًا قطر" التي رافقت محطات الدعم السابقة، و"شكرًا قطر" التي قد يردّدها اللبنانيون مجددًا، يتقدّم هذه المرة رهان مختلف: أن تتحوّل الوعود الاستثمارية إلى مشاريع قائمة، وأن يبقى أثرها في لبنان طويلًا بعد انتهاء عقود الاستثمار.