لم تعد الحرب الروسية - الأوكرانية تُقرأ من خرائط الجبهات وحدها. فخلف الصواريخ والتحرّكات العسكرية، تدور معركة موازية على الطاقة والعقوبات والأسواق، حيث بات الديزل ورقة تفاوض، وأصبحت المصالح الاقتصادية جزءًا من حسابات إنهاء الحرب. وما يجري اليوم يطرح سؤالًا يتجاوز احتمالات التسوية: هل تستخدم واشنطن الاقتصاد لفتح طريق إلى السلام، أم لإدارة كلفة الحرب بما يخدم مصالحها الداخلية والاستراتيجية؟
في 9 تشرين الأوّل، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب اتفاقًا مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين لتأمين إمدادات من الديزل الروسي للأسواق الأميركية والعالمية، في خطوة رافقها تخفيف موَقّت للقيود الأميركية على صادرات الوقود الروسي. وجاء الإعلان فيما كانت مباحثات أميركية - أوكرانية تجري في ميامي حول أفكار جديدة لإنهاء الحرب. وفي اليوم التالي، دعا ترامب أوكرانيا إلى اختيار رئيس جديد، محمّلًا رئيسها فولوديمير زيلينسكي مسؤولية تعطيل التفاهمات والإضرار بإمدادات الوقود. هكذا تداخلت صفقة الطاقة مع الضغط السياسي على كييف، وتحوّلت من إجراء اقتصادي إلى اختبار لاتجاه السياسة الأميركية في الحرب.
لا يمكن فصل الخطوة عن الحسابات الداخلية لترامب. فارتفاع أسعار الديزل يضغط على قطاعات النقل والزراعة والإنتاج، وينعكس على كلفة المعيشة في الولايات المتحدة قبل انتخابات التجديد النصفي في تشرين الثاني. ومن هنا، يبدو خفض أسعار الطاقة هدفًا سياسيًّا بقدر ما هو اقتصادي. لكن الأولوية الداخلية تطرح معضلة استراتيجية: هل يصحّ تخفيف الضغط على موسكو إذا كان ذلك يمنحها إيرادات إضافية، من دون ضمان تنازل روسي واضح في المقابل؟
بالنسبة إلى بوتين، تتجاوز قيمة الاتفاق عائداته المباشرة. فإعادة فتح منفذ اقتصادي، ولو بصورة محدودة، تمنح موسكو فرصة لتأكيد أن العزلة الغربية ليست ثابتة، وأن حاجة الأسواق إلى الطاقة قد تدفع خصومها إلى مراجعة سياساتهم. وفي الحروب الطويلة، لا تُقاس المكاسب بالسيطرة على الأرض وحدها، بل أيضًا بالقدرة على الصمود اقتصاديًّا، وتوسيع هامش المناورة، وإضعاف تماسك التحالف المقابل. ومع ذلك، لا يعني حصول روسيا على منفعة اقتصادية أنها ستغيّر موقفها من الأراضي الأوكرانية أو الضمانات الأمنية التي تطالب بها.
وهنا تكمن المفارقة الأساسية. فقد نقلت وكالة "رويترز" في 12 تشرين الأوّل أن المبعوثين الأميركيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر أبلغا مسؤولين أوكرانيين بأن الاتفاق يهدف إلى تشجيع موسكو على العودة إلى المفاوضات، وبأن واشنطن تأمل أن يساعد ذلك في تليين موقفها. لكن التقرير أشار أيضًا إلى أن بوتين لم يكن مستعدًّا بعد للتفاوض على إنهاء الحرب. وهذا يعني أن الديزل يُستخدم بوصفه حافزًا تفاوضيًّا، لا أنه جزء من تسوية مكتملة. والسؤال هو ما إذا كانت واشنطن ستتمكّن من تحويل هذا الحافز إلى التزام روسي قابل للتحقّق، أم أن موسكو ستحصل على المكسب الاقتصادي من دون تغيير جوهري في حساباتها؟
إن الدبلوماسية الاقتصادية ليست جديدة في العلاقات الدولية؛ فالتجارة والعقوبات والطاقة أدوات نفوذ تستخدمها الدول لتعديل سلوك خصومها. لكن فعاليتها تتوقّف على التوازن بين الحافز والمقابل. فإذا ارتبط تخفيف القيود بوقف متبادل للهجمات على منشآت الطاقة، وبآلية واضحة للتحقّق من الالتزام، فقد يشكّل مدخلًا إلى خفض التصعيد. أما إذا سبق التنازل الاقتصادي أي التزام روسي، فقد تفقد العقوبات جزءًا من صدقيّتها، ويصبح رفعها مكافأة غير مشروطة أكثر منه ورقة تفاوض.
وتزداد المسألة حساسية مع دعوة ترامب إلى تغيير القيادة الأوكرانية. فالضغط على زيلينسكي لا يقتصر على انتقاد أدائه التفاوضي، بل يضع مستقبل القيادة السياسية في أوكرانيا ضمن حسابات القوى الكبرى. صحيح أن التسويات تحتاج إلى قرارات صعبة، لكن تقرير مستقبل القيادة شأن أوكراني، وتغيير الرئيس لا يضمن قبول المجتمع بشروط السلام. كما أن أي تفاهم يُصاغ بين واشنطن وموسكو من دون مشاركة أوكرانية فعلية قد يفتقر إلى الشرعية والاستقرار، مهما بدا مغريًا من الناحية الاقتصادية.
ولا تبدو الأسواق وحدها قادرة على حسم هذه المعادلة. فبحسب "رويترز"، شكّك خبراء في أن تؤدّي الكميات الإضافية إلى خفض مستدام في أسعار الوقود، فيما ترتبط أزمة الطاقة بعوامل أوسع، أبرزها الحرب مع إيران والاضطرابات التي تطاول الإمدادات والممرّات الحيوية. كذلك، يتأثّر الذهب بالتوتّرات الجيوسياسية والدولار وأسعار الفائدة، فيما أصبحت المعادن الاستراتيجية جزءًا من التنافس على التكنولوجيا وسلاسل الإمداد. لذلك، لا ينبغي التعامل مع اتفاق الديزل كما لو أنه مفتاح تلقائي لاستقرار الأسواق.
أما أوروبا، فتواجه اختبارًا إضافيًّا. فهي تريد احتواء كلفة الطاقة، لكنّها تخشى أن يؤدّي تخفيف الضغط الاقتصادي على موسكو إلى تعزيز قدرتها على مواصلة الحرب. وإذا اتّجهت واشنطن إلى تفاهمات منفردة، فقد تتّسع الفجوة بين الأولويات الأميركية والأمن الأوروبي، وتجد العواصم الأوروبية نفسها أمام أعباء أكبر لدعم أوكرانيا والدفاع عن أمنها.
في النهاية، لا تكمن المسألة في قدرة ترامب وبوتين على إبرام صفقة، بل في القدرة على تغيير حسابات الحرب. فالديزل قد يفتح نافذة تفاوض، لكنه لا يصنع السلام وحده. والاختبار الحقيقي ليس حجم الوقود الذي سيصل إلى الأسواق، بل طبيعة المقابل السياسي والأمني الذي ستحصل عليه واشنطن. فقد تنجح الدبلوماسية الاقتصادية في تخفيف كلفة الصراع، لكن إنهاء الحرب يتطلّب أكثر من صفقة: يتطلّب التزامات واضحة، واحترام سيادة أوكرانيا، وضمانات تمنع تحويل الهدنة إلى استراحة تسبق جولة جديدة من القتال.
أستاذة جامعية