باستهداف مصادر تغذية المجهود الحربي الحوثي، تضع السعودية معادلة الردع أمام اختبار جديد مع انتقال المواجهة من اعتراض الصواريخ والمسيّرات إلى ضرب البنية التي تمنح الحوثيين القدرة على الاستمرار في إرهابهم. فالعملية النوعية التي أعلنها تحالف دعم الشرعية أمس تحمل رسالة واضحة إلى جماعة "أنصار الله" المدعومة من طهران: تحويل المطارات والمنشآت الاقتصادية السعودية إلى أهداف سيجعل الموارد المستخدمة في تمويل الهجمات وتشغيلها عرضة للاستهداف.
وبحسب التحالف، تُستخدم محطة الصباحة في صنعاء وخزانات الوقود والأرصفة المخصّصة لنقل الوقود وتفريغه في الحديدة وصنعاء وذمار في دعم العمليات الحوثية. من هنا، يمكن فهم الضربة بوصفها محاولة لقطع الصلة بين الموارد الواقعة تحت سيطرة الجماعة وترسانتها العسكرية. ويظلّ تقدير أثرها الفعلي مرتبطًا بحجم الضرر الذي أصاب قدرات الحوثيين وإمكان تعويضه. أما سياسيًا، فقد حدّدت الرياض اتجاه المواجهة: ملاحقة مقوّمات الهجوم عند مصادرها.
يكشف التهديد الحوثي باستهداف المطارات و"أرامكو" ومصفاة الرياض طبيعة الرهان الذي تعتمده الجماعة. فكلّ تعثّر ميداني يمكن تعويضه، في حساباتها، بتوسيع دائرة الخطر على المدنيين والطاقة والنقل. وتصبح حركة المسافرين وإمدادات الأسواق أدوات ضغط لإرغام المملكة على مراجعة دعمها للحكومة اليمنية. بهذه المقاربة، يحاول الحوثيون انتزاع مكاسب سياسية عبر تحميل المجتمعات والاقتصادات كلفة مغامراتهم، في وقت تصدّى فيه التحالف لصواريخ وطائرات مسيّرة فوق العاصمة الرياض ومناطق سعودية عدّة أمس. وأفادت وكالة "رويترز" بأن أصواتًا مدوّية سُمعت في محيط المقرّ الرئيسي لشركة "أرامكو" في الظهران، فيما أعلن التحالف اعتراض صاروخ حوثي أُطلق باتجاه الظهران وتدميره.
وتكتسب المواجهة بُعدها الإقليمي من التقاء تهديد باب المندب مع العرقلة الإيرانية للملاحة في هرمز. فتعريض منفذَين حيويَّين للطاقة والعبور للاضطراب يمنح طهران وحلفاءها قدرة على نقل أزمات المنطقة إلى الأسواق العالمية، عبر الضغط على إمدادات الطاقة وحركة التجارة ورفع تكاليف الشحن والتأمين. وبذلك، تتجاوز تداعيات التصعيد حدود المواجهة المباشرة، لتطول مصالح دول تعتمد على انسياب الملاحة عبر المضيقين، وتضع أمنهما في صلب الحسابات الدولية. ومن هذه الزاوية، يصبح تهديد الملاحة أداة ضغط تتجاوز الميدان العسكري، إذ يُتيح توظيف المخاوف من اتساع الاضطراب الاقتصادي للتأثير في مواقف القوى الكبرى وقراراتها حيال أزمات المنطقة.
هنا يدخل كلام الرئيس الأميركي دونالد ترامب بوصفه توسيعًا للإطار السياسي للمواجهة. فاتهامه الحوثيين بمحاولة رفع أسعار النفط قبل الانتخابات النصفية يربط هجماتهم باستهداف الداخل الأميركي عبر فاتورة الطاقة. وإسناده استئناف التصعيد إلى التحريض الإيراني يضع طهران مباشرة ضمن دائرة المسؤولية السياسية التي يرسمها. أما قوله إنه سيبقى حاضرًا بعد الانتخابات و"لن ينسى ذلك أبدًا"، فيحمل تحذيرًا من التعويل على انشغال واشنطن باستحقاقها الانتخابي.
مع ذلك، تبقى المسافة قائمة بين التهديد الأميركي والقرار العسكري. فواشنطن، وفق المعطيات المتاحة، ما زالت تحجم عن الانخراط المباشر في الحملة السعودية. وإشارة ترامب إلى احتمال طلب مساعدة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان توحي بالبحث عن توزيع أعباء المواجهة وتوسيع الدعم الإقليمي للمملكة. لذلك، تستمدّ تصريحاته أهميتها الراهنة من زيادة الضغط على الحوثيين ورعاتهم.
وتواجه الرياض تحدّي الجمع بين فاعلية الردع وحماية المدنيين اليمنيين الذين تستنزفهم الحرب والأوبئة والحصار. وإعلان التحالف اتخاذ الاحتياطات وتوجيه إنذارات بالإخلاء يضع تنفيذ العملية تحت معيار المسؤولية الذي تعهّد به. كما أن استمرار معاناة اليمنيين يفرض قياس النجاح بقدرة الضربات على تقليص التهديد، وبمقدار ما تفتح المجال لاستعادة مؤسسات الدولة ووظائفها.
جوهر المعركة هو كسر قدرة الحوثيين على استخدام اليمن كمنصّة ابتزاز إقليمي. والحزم السعودي يكتسب أثره الأعمق حين يجعل الاعتداء أعلى كلفة من التراجع عنه، ويقترن بإسناد سياسي وأمني يضيّق هامش المناورة الإيرانية. عندها، يصبح أمن المطارات والممرّات البحرية قاعدة مفروضة، وتسقط رهانات الحوثيين على إخضاع المنطقة بالصواريخ.
على صعيد آخر، يكشف كلام رئيس "أم آي 5" السير كين ماكالوم اتساع المواجهة مع إيران إلى الداخل البريطاني، عبر حملة هجينة تستهدف التجمعات اليهودية وتمتدّ إلى مواقع عسكرية. وتمنح التوقيفات الـ 50 المرتبطة بأنشطة إيرانية خلال العام الماضي هذا التهديد وزنًا عمليًا، فيما يعكس تحذيره للمنفّذين ومموّليهم إدراكًا لبنية تعمل بالوكالة وتستثمر في الفوضى. وتضع هذه المعطيات طهران في صلب تحدٍّ أمني يستنزف موارد الاستخبارات البريطانية ويدفع نحو تكثيف استخدام أدوات الملاحقة القانونية. ويتعاظم تعقيد المشهد مع التخريب الروسي وتصاعد التهديدات الإرهابية، إضافة إلى الذكاء الاصطناعي الذي قد يمنح الجماعات المتطرّفة قدرات هجومية أخطر، وصولًا إلى الأسلحة البيولوجية.