جاد الاخوي

يا جهبذ القانون… ما هو المعيار؟

4 دقائق للقراءة
ندى حمادة معوض AFP

أنا لا أعرف ندى حمادة معوّض شخصياً، ولست هنا للدفاع عنها. ما يعنيني هو المبدأ: كيف يتحوّل خبر متداول إلى شبهة، وكيف يصبح استنكار أذى إنساني مناسبة لاستعراض الحماسة القضائية والوطنية.

"كلّما دقّ الكوز بالجرّة"، إخبار جديد. حتى ليبدو أن إنقاذ لبنان يمرّ عبر وضع اسم إضافي أمام النيابة العامة.

هذه المرّة، جاء الإخبار ضد سفيرة لبنان في واشنطن، على خلفية معلومات متداولة عن اتصالها بالسفير الإسرائيلي واستنكارها عملية دهس ابنه في الضفة الغربية.

لكن قبل الاحتفال بهذا «الفتح القضائي»، هناك تفصيل أساسي: بحسب التوضيح المنقول عن مصادر قضائية، ما حصل هو إحالة الإخبار إلى المدعي العام العسكري ضمن إجراء روتيني، وليس ادّعاءً بحق السفيرة ولا إحالةً لها إلى التحقيق.

الورقة أُحيلت، لا السفيرة. والفارق يفترض أن يعرفه أهل القانون، وأن يحرصوا على توضيحه، لأن عبارة «القضاء العسكري» تكفي أحياناً لإطلاق محاكمة شعبية لا تنتظر معرفة الوقائع.

من حق أي شخص تقديم إخبار. ومن حقنا أن نسأل عن وجاهته وعن الأدلة التي يستند إليها. اللجوء إلى القضاء لا يمنح صاحبه شهادة تلقائية بصحة الاتهام، ولا يجعل الشخص المذكور فيه مذنباً إلى أن يثبت العكس.

ما مضمون الاتصال، إن حصل؟ وما ملابساته؟ وما الأساس الذي يجعل استنكار دهس إنسان موضع اشتباه؟ لم نطّلع على نص الإخبار الكامل لنحكم على حججه القانونية، لكن ما نُشر يطرح سؤالاً واضحاً: هل أصبحت الإنسانية تحتاج إلى موافقة حرّاس الوطنية؟

إذا حصل الاتصال، وكان مضمونه كما ورد في الأخبار، فهل استنكار الأذى يعني تأييد سياسة والد المصاب؟ وهل التعاطف مع إنسان يساوي تبرئة إسرائيل من احتلالها واعتداءاتها؟

يمكن للبناني أن يرفض الاحتلال، وأن يدين العدوان، وأن يدافع عن حقوق الفلسطينيين، وأن يستنكر في الوقت نفسه دهس إنسان. لا يحتاج بعد ذلك إلى الوقوف أمام لجنة لفحص انتمائه الوطني.

أما قانونية الاتصال وحدود صلاحيات السفيرة، فتُبحث بالوقائع والنصوص والمرجعية الرسمية المختصة. الاعتراض السياسي لا يثبت وحده مخالفة، وارتفاع النبرة لا يعوّض نقص الدليل.

وهنا نسأل جهبذ القانون: ما هو المعيار؟

هل سبق أن تقدّمت بإخبار بحق وئام وهاب، مثلاً، بشأن مواقف أو تصريحات تعتبرها مستوجبة للمساءلة؟ وإن لم تفعل، فما الذي يجعل هذه القضية تستحق حماستك؟ السؤال لا يفترض أن كل تصريح لوهاب مخالفة، ولا يطالب باختراع تهمة له. لكنه يطالب صاحب الراية القضائية بأن يشرح لنا أين يرسم حدود المخالفة، وكيف يطبّق المعيار نفسه على الجميع.

فالقانون يفقد معناه في النقاش العام حين تصبح حساسيته مرتبطة باسم المتكلّم أكثر من مضمون كلامه، وحين يُستدعى في خلاف ثم يغيب عن خلاف مماثل.

ونسأل أيضاً: ماذا عن العدالة لرفيق الحريري وباسل فليحان وسمير قصير وجورج حاوي ووسام الحسن وفرنسوا الحاج وسامر حنا وسائر ضحايا الاغتيالات والتفجيرات كتفجير المرفأ مثلا؟

أين نرى الحماسة نفسها للمطالبة بكشف الحقيقة ومحاسبة القتلة وتنفيذ الأحكام حيث صدرت؟ نريد صوتاً بحجم الدم الذي سُفك، وبحجم العائلات التي فقدت أحباءها، وبحجم الوطن الذي دفع ثمن الاغتيالات والترهيب.

ليس المطلوب تجاهل المسارات القضائية القائمة، ولا تقديم إخبار لمجرّد الاستعراض. المطلوب أن يحتلّ حق اللبنانيين في الحياة والعدالة صدارة الاهتمام، وأن نفهم لماذا يحظى خبر اتصال منسوب إلى سفيرة بكل هذا الاستنفار.

إنه سؤال عن الأولويات. ومن يتصدّر الشأن العام باسم القانون عليه أن يتحمّل هذا السؤال، كما يطلب من الآخرين تحمّل مساءلته.

ثم إن للإخبار أثراً يتجاوز الورقة. يتداول خبر، فتُقدَّم شكوى، وتتضخّم العناوين، ويصبح صاحب الاسم مطالباً بالدفاع عن سمعته قبل اتضاح الوقائع. يأتي التوضيح لاحقاً، لكن الشبهة تكون قد سبقت الجميع إلى الجمهور.

لهذا يفترض أن تجعل معرفة القانون صاحبها أكثر حرصاً على الدقة، وأكثر إدراكاً للفارق بين طلب التحقّق وإطلاق الاتهام. مهنة المحاماة ترتّب مسؤولية عن حقوق الناس وسمعتهم، وعن ثقتهم بالقضاء أيضاً.

ندى معوّض ليست فوق المساءلة، ولا أحد فوقها. لكن مساءلتها تستحق وقائع مثبتة وحججاً واضحة. ومن يملك دليلاً فليقدّمه، وليترك للقضاء تقييمه، من دون تقديم الإخبار للجمهور كأنه إدانة.

لا أعرف السفيرة، ولا أحتاج إلى معرفتها كي أرفض محاكمتها بالشبهة. المبدأ نفسه يجب أن يحمي من أتفق معه ومن أختلف معه.

يا جهبذ القانون، قدّم دليلك واشرح معيارك. فالوطنية لا تُثبت بكثرة الإخبارات، والعدالة تُقاس باتساقها، لا بانتقاء الأسماء.