الدكتور سايد حرقص

من شاحنة الكحالة إلى متفجرات ضهر البيدر: ماذا تغيّر في ثلاث سنوات؟

5 دقائق للقراءة

ثلاث سنوات وشهران تقريبًا يفصلان بين شاحنة الذخيرة التي انقلبت عند كوع الكحالة في آب 2023، وشحنة المتفجرات التي ضُبطت في ضهر البيدر في تشرين الأول 2026. لكن الفارق بين الحادثتين لا يكمن في طبيعة الحمولة وحدها، بل في طريقة التعاطي الرسمي والأمني والقضائي معهما، وفي ما تكشفانه عن علاقة السلاح غير الشرعي بالدولة اللبنانية.

في الكحالة، انقلبت شاحنة محمّلة بالذخائر، فتحوّل الحادث إلى مواجهة دامية أودت بحياة شخصين، أحدهما من أبناء البلدة والآخر من مرافقي الشاحنة. يومها، أعلن حزب الله بوضوح أن الشاحنة تعود إليه، لكن الأسئلة المتعلقة بأسباب نقل الذخائر وطبيعة المهمة وملابسات المواجهة، التي اندلعت عندما حاول الأهالي معرفة ما تحمله الشاحنة، بقيت بلا أجوبة شافية. ثم طُويت القضية سريعًا، من دون أن يعرف المواطن اللبناني ما آلت إليه التحقيقات، أو أن يرى مسارًا قضائيًا واضحًا يكشف حقيقة ما جرى، وكأن البلد يومها كان يعيش فصلًا هزليا يشبه الفصل الهزلي في مسرحية «يعيش يعيش» التي قدّمها الأخوان رحباني :

الشاويش: فَتّشُوا.. نَبّشُوا.. وَقّفُوا حَاجِزْ مِتْل النَّارْ...بَلْكِي حَدَا مْخَبِّي سْلاحْ بِالجَاكِيتَة بَالزِّنَارْ

​أفراد الدورية :وَاللِّي سْلَاحُو ظَاهِرْ يَا جَنَاب الشَّاوِيشْ؟

​الشاويش:اللِّي سْلَاحُو ظَاهِرْ.. مَا بَدُّو تَفْتِيشْ!

أما في ضهر البيدر، فنحن أمام قضية تختلف في ظاهرها، سواء من حيث اكتشاف الأجهزة الأمنية للمواد المتفجرة أو طبيعة المضبوطات وحجمها. فقد أفادت تقارير إعلامية في 12 تشرين الأول 2026 بضبط نحو 500 كيلوغرام من المتفجرات، بينها مادتا TNT وC4، فيما تحدثت مصادر أمنية عن وجود مسامير وكرات معدنية ضمن الشحنة. وذكرت تقارير أن الشحنة كانت متجهة نحو الضاحية الجنوبية لبيروت، في حين أشارت تقارير إلى ارتباط الموقوفين بحزب الله.

في المقابل، سارع الذباب الإلكتروني التابع لحزب الله إلى التشكيك في صحة الرواية، مستفيدًا من تعدّد الأخبار والتقارير، فيما انبرى نواب من حزب الله إلى نفي أي علاقة للحزب بالقضية. وبين التشكيك الإعلامي والنفي السياسي، بدأ المواطن يلمس أن المشهد العام قد تغيّر، وأن حزب الله نفسه لم يعد كما كان. وحدها السلطة اللبنانية الرسمية لا تزال أسيرة مرض الخوف المزمن، تفتقر إلى الثقة بالنفس والجرأة اللازمتين للمضي في تحقيق حاسم وشفاف.

ما يستوقف المواطن اليوم هو التناقض الصارخ بين المشهدين. ففي الكحالة، كانت ملكية حزب الله للشاحنة معلنة، فيما بقيت الأسئلة الجوهرية بلا أجوبة. أما في ضهر البيدر، فيسعى حزب الله إلى التنصّل من أي صلة بالموقوفين والشحنة المتفجرة. هذا التباين يطرح تساؤلات جوهرية: هل بدّلت حروب الإسناد موازين القوى؟ هل بات حزب الله، بقيادته الجديدة، أكثر ضعفاً؟ وهل تغيّرت الظروف السياسية والأمنية، فيما لا تزال السلطة اللبنانية أسيرة عقدة الخوف المزمن، تفتقر إلى الثقة والجرأة؟

المطلوب اليوم من الأجهزة الأمنية والقضاء أن يُظهرا الثقة بالنفس والجرأة في إجراء تحقيق شفاف ودقيق، لأن السؤال الأهم يتجاوز الحادث نفسه: أي معنى يبقى لسيادة الدولة إذا كان المواطنون مضطرين، في كل حادثة من هذا النوع، إلى انتظار التسريبات والتصريحات الحزبية بدلًا من الحصول على أجوبة رسمية واضحة؟

في الكحالة، كشف انقلاب الشاحنة حقيقة السلاح الذي يجوب الطرقات اللبنانية خارج سلطة الدولة، وأظهر كيف يمكن لشاحنة واحدة أن تفجّر مواجهة دامية بين اللبنانيين، فيما تتعامل الأجهزة الأمنية معهم بمعايير مزدوجة، وفق منطق أولاد الست وأولاد الجارية. وفي ضهر البيدر، تعيد المتفجرات طرح السؤال الأخطر: هل بات الأمن الوطني رهينة شبكات تنقل السلاح والمتفجرات وتسلّمها خارج رقابة الدولة، ولا يعرف اللبنانيون عنها شيئًا إلا حين تنكشف مصادفة؟

لا يجوز التقليل من خطورة ما حدث، ولا الاكتفاء بانتظار انحسار الضجة الإعلامية. فالمطلوب ليس مجرد معرفة من كان يقود الشاحنة أو ينقل الشحنة، بل كشف ملابسات القضية كاملة، وتحديد مصدر المتفجرات والجهة التي طلبتها، وهوية من تولّى نقلها وتسليمها، وصولًا إلى الغرض الذي أُعدّت من أجله، مع إخضاع كل من تثبت مسؤوليته للمحاسبة.

بين الكحالة وضهر البيدر، لم يتغيّر السؤال الجوهري: من يملك حق نقل السلاح والمتفجرات وتحديد وجهتها في لبنان؟ وإذا كانت الدولة وحدها صاحبة السيادة، فعليها أن تثبت ذلك بالفعل، من خلال تحقيق شفاف، وكشف الحقيقة كاملة، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته، مهما كان موقعه أو انتماؤه.

فأمن اللبنانيين ليس شعارًا يُكتب في خطاب قسم رئيس الجمهورية أو في بيان حكومي، وسيادة الدولة ليست عبارة تُرفع عند الحاجة ثم تُهمَل عند الاختبار. وما ينتظره اللبنانيون اليوم ليس رواية جديدة، ولا نفيًا سياسيًا أو حملة تشكيك إعلامية، بل حقيقة كاملة، ودولة تملك الجرأة على كشفها وتطبيق القانون على الجميع من دون استثناء.