تجلس الدولة في تامبا لتفاوض على مصير لبنان، فيما تضع شاحنة ضهر البيدر وملحقاتها قدرتها على فرض سلطتها في قفص الاتهام. هناك تختبر الدبلوماسية حدود الممكن، وهنا تنكشف حدود الدولة. وبين الطاولة والشاحنة، تتعرّى الحقيقة: لا مفاوضات تنقذ بلدًا يعجز عن ضبط أرضه، ولا اتفاق يحمي شعبًا ما لم يكن القرار في يد دولته.
تتجه الأنظار إلى الجولة الجديدة من المفاوضات في تامبا الأميركية وسط رهان على فتح نافذة للحل وإعادة تثبيت مرجعية المؤسسات الشرعية. لكنّ أيّ اختراق سيبقى ناقصًا إذا لم يقترن بقرار حاسم ينهي ازدواجية السلاح ويمنع استخدام لبنان صندوق بريد للصراعات الإقليمية.
لا تحتاج الدولة إلى مزيد من الشعارات، بل إلى إثبات قدرتها على تنفيذ ما تتعهّد به. فالمفاوضات ليست إنجازًا بحدّ ذاتها، ولا تكفي صورة المسؤولين حول الطاولة لإقناع اللبنانيين بأنّ زمن الفوضى انتهى. الإنجاز الحقيقي يبدأ عندما تصبح قرارات الدولة نافذة، لا مجرّد عناوين للاستهلاك السياسي.
وتأتي شاحنة ضهر البيدر وما تبعها من مصادرة متفجرات لتضع هذا العجز أمام اللبنانيين بلا مواربة. فالقضية تتجاوز تفاصيل الشاحنة إلى الأسئلة التي تفرضها بشأن نقل المتفجرات، والرقابة الأمنية، وقدرة الأجهزة على منع مرور مواد خطرة على الطرقات. وإذا كانت الدولة تطلب ضمانات من الخارج، فعليها أن تقدّم الدليل على قدرتها على حماية الداخل. وهنا تحديدًا تلتقي تامبا بضهر البيدر، ما تحاول الدولة تثبيته بالتفاوض، تختبره الوقائع الأمنية على الأرض. فلا قيمة لتعهدات لا تسندها إجراءات، ولا جدوى من الحديث عن الاستقرار فيما تبقى الثغرات مفتوحة أمام احتمالات خطرة. وبينما تبحث السلطة عن مخارج دبلوماسية، ينتظر اللبنانيون جوابًا واضحًا عن سؤال أبسط: من يملك القرار، ومن يتحمّل المسؤولية؟
ولا يمكن فصل هذا الاختبار عن الانهيار الاقتصادي والاجتماعي. فالمواطن الذي يدفع ثمن الحروب والتوترات لا يريد جولة جديدة من الوعود، بل دولة تحميه وتمنع تكرار الكوارث. ولا يمكن استعادة الثقة أو جذب الاستثمارات فيما يبقى الأمن عرضة للاهتزاز، وتظلّ المؤسسات مطالبة بإثبات قدرتها على فرض القانون.
وترى القوى السيادية أنه لا يجوز أن تتحوّل مفاوضات تامبا إلى غطاء لتأجيل القرارات الصعبة، أو إلى محطة جديدة لإدارة الأزمة بدل إنهائها. المطلوب مسار واضح يعيد القرار العسكري والأمني إلى المؤسسات الشرعية، ويضع مصلحة لبنان فوق أيّ حساب آخر. كما أنّ حادثة ضهر البيدر تستوجب توضيحًا رسميًا ومحاسبةً حيث تثبت المسؤولية، لا الاكتفاء ببيانات تمتصّ الغضب ثم تترك الأسئلة بلا أجوبة.
بين تامبا وضهر البيدر، لا يُمتحن أداء الحكومة فحسب، بل تُختبر قدرتها على أن تكون دولة. فإمّا أن تتحوّل المفاوضات إلى مدخل لقرارات نافذة تحمي لبنان، وإمّا أن تبقى طاولة الخارج شاهدًا على عجز الداخل. وفي بلد أنهكته الحروب، لم يعد مقبولا أن تفاوض الدولة باسم السيادة فيما ينتظر اللبنانيون أن يروها تمارسها.