وقّع أنطوان الدّويهي، في "معرض بيروت العربي الدولي للكتاب"، روايته الأخيرة "الشتاء الكبير"، الصادرة في بيروت عن "الدار العربية للعلوم ناشرون" و "دار المراد". ويواصل الدّويهي، منذ ثلث قرن، صوغ عالمه الأدبيّ الفريد في الأدب العربي، إذ يرتكز على الحياة الداخلية، ويتوغّل في أقاصي النفس البشرية، ويتماهى مع روح الأمكنة والمشاهد والحالات، حيث تلتقي الذات الفردية بذات الأرض وذات الجماعة، ويتجلّى فيها سحر الذاكرة التي يرى فيها الدّويهي "شمس الروح". وقد كتب عنه الشاعر أنسي الحاج: "يُقرَأ أنطوان الدّويهي كما تُفرَد حبّات اللؤلؤ".
تنشر "نداء الوطن" في ما يلي مدخل رواية "الشتاء الكبير"، الذي يجسّد تمامًا روحها وجوهرها.
كنتُ قد أشرتُ مرارًا إلى غرابة علاقتي بالزمن. كيف كأنّه يمرّ لديَّ ولا يمرّ. كأنّه يجتاز الخارج ولا يلج الداخل. كيف أنّ المسافات الفاصلة بين الماضي والحاضر مصابة بقصرٍ مريع، وأنّ كلّ شيء حيٌّ ومحفوظٌ بكامله في فسحة الذات، لم تَضِعْ ذرّةٌ واحدةٌ منه. وها أنا، بعد خمسين عامًا، أراه واقعًا أمامي الآن، عشيّة هذا اليوم الماطر من العام 2018، وأنا أكمل تلك الرواية التي بدأتها حين كنتُ في السابعة عشرة من عمري، من المقطع الذي توقّفت عنده في حينه، ذات مساء من مساءات "الحيّ القديم" في موريا، مدينة الشتاء، حيث أمضيت حداثتي وصباي الأوّل.
ثمّة سببٌ آخر لمثول ذاك الماضي البعيد في دخائلي. ففتى السابعة عشرة، النحيل، الرهيف، المجروح الروح، المقيم في ذاته، الذي لم يعرف الأسفار، ولا الأمصار، ولا وِصال الأجساد، ولا ما يستحقّ الذكر خارج موريا القديمة ومحيطها، والذي كانت تنعكس عليه عميقًا أشياء الحياة قبل عيشها، هو الأكثر تجسيدًا لذاتي الأعمق، والأكثر تعبيرًا عنها. ولو كان ليَ الاحتفاظ بصورة واحدة عن نفسي طوال عمري، لاخترتُ صورته. وكلّ ما عرفته بعد ذلك، على مرّ السنين، من مشاهد وأمكنة ووجوه وأنفس وحيوات لا تُحصى، في جغرافية حياتي الفسيحة على ضفتَي العالمين، وكلّ ما اكتشفته من ثقافات وجماليات وأنماط عيش، وما أدركته من معارف وعلوم، وكلّ ما انتابني من خيالات ورؤى، لم يُضِفْ الكثيرَ إلى ما كان يختلج في حنايا ذلك الفتى اليافع الصامت.
كما أودّ الإشارة إلى أنّي لم أغيّر شيئًا في لغته، التي بقيت هي عينها لغتي على الدوام. هي لغة نفسي، فأنّى لي تغييرها؟ ولم أستطع الغوص أبعد منه في غياهب ذاتي، ولا الولوج أعمق منه في عوالم ما يُرى وما لا يُرى. ما أقدمتُ على تغييره هو الآتي فقط: كان يؤلّف آنذاك كتابين في آنٍ معًا، أحدهما يهجس بالوله، أو "الهيام بالشيء الآخر" في تعبيره، والآخر بطقوس العنف في ما يسمّيه "المكان"، وأنا دمجتهما في رواية واحدة، اخترت لها عنوان الفصل الطويل الذي توقّف بعده عن الكتابة: "الشتاء الكبير". وها أنا أتوارى الآن، تاركًا له، وحده، الكلام:
أعجبُ من الذين يسافرون: كيف يستطيعون الانتقال من مكانٍ إلى آخر؟ وأعجبُ منهم: كيف يمكنهم العيش في أنحاء وبلدان لا علاقة لها بحيواتهم الماضية، ولا تربطهم بها معرفة سابقة؟ أمّا أنا فلا أستطيع. كم أستغرب في سرّي ما يحلم به رفاقي، كالهجرة إلى باريس وتولوز ومدريد وبرشلونة وروما وسواها من الحواضر، واكتشافها والإقامة فيها. أمّا أنا فلا أستطيع العيش إلا في هذا المكان الواحد، هذا "الحيّ القديم" الذي أنا فيه، ولا يمكنني مبارحته إلى أيّ مكان قريب أو بعيد في هذه الدنيا، ولا يمكنني تصوّر حياتي خارجه. إنّه لأمرٌ لا أقوى عليه.
طالما تساءلتُ عن سرّ ارتباطي بهذا المكان، مع أنّي لم أرَ النور ولم أمضِ سنواتي الأولى فيه. هل يعود تعلّقي به إلى طبيعته شبه الدائريّة، شبه المغلقة، حيث يدلف المرء إليه من المدخل الأشبه بالدهليز، ليسلك بعده هذه الطرق الضيّقة، المتداخلة، المتعرّجة، بين البيوت الحجريّة المتلاصقة، التي يرتفع بينها، هنا وهناك، دير الراهبات، والسرايا العتيقة وبيت الزعامة المقفلان؟ وتتوسّط المكانَ، الذي نادرًا جدًّا ما يلجه غريبٌ عن أهله، كنيسةُ سيّدة موريا الأثريّة والمدرسةُ المجاورة، العائدتان إلى قرون خلت، وأمامهما تلك الساحة، وهي فسحة الحيّ الوحيدة، حيث كانت مقبرة البلدة، التي بقي منها ضريح رخاميّ كبير واحد لأسعد بك، تحيط به من كلّ جانب أشجار الكينا الباسقة. أم أنّ تعلّقي بهذا المكان عائدٌ إلى فصول العنف وطقوس الموت التي رافقتني فيه منذ قدومي إليه؟ كلّ أولئك الرجال المقتولين على تخومه على مرّ السنين دفاعًا عنه، وكلّ أولئك المقتولين من أبنائه خارجه في سائر الأنحاء، في أعمال الثأر المتبادلة التي لا تنتهي بين مجتمعَي موريا الشرقيّة وموريا الغربيّة. وأنا أعرفهم فردًا فردًا، وهم يعرفونني. أم أنّ تعلّقي الغريب به وعدم قدرتي على مبارحته آتيان من ولهي بهند؟ مع أنّها لم تكن تقيم هنا، بل في ناحية قريبة من موريا، تفصلها عنها حقول الزيتون وراء تلّة "نجمة الصبح". وأنا أسمّيها هندًا لأنّي لا أعرف اسمها، ولم أقترب منها أو أكلّمها يومًا، إذ كنتُ أرنو إليها وترنو إليَّ من بُعد، حين تظهر على تلك الشرفة. أرجّح أنّ ولهي الرهيب بهند هو مصدر الاضطراب الذي يصعب وصفه، والذي يهزّ دخائلي وأعماقي منذ شهور، ولا أمل لي في الخلاص منه. طالما تساءلتُ في سرّي: "هل عرف أحدٌ حقًّا من قبل مثل هذا العذاب الذي أعيشه طوال أيّامي ولياليَّ؟ هل نُذِرتُ لهذا العذاب وحدي من دون سائر البشر؟".
ليس هو عذاب فراق هند، التي غادرت ذات يوم مع أهلها، ولم أعرف إلى أين، ولم أعد أراها، بل هو عذاب حضورها الحقيقيّ، الدائم، المضني، في كلّ شيء، وما يرافقه، وراء هدوئي وصمتي، من اختلال عميق في علاقتي بذاتي وبأشياء الخارج، لا أحد يدري به قطّ، ولا أقوى على البوح بتفاصيله لشدّة غرابتها.
