كان يا ما كان، في قديم الزمان، لجحا حمار ظريف، خفيف الظلّ، ينقل على ظهره الطرائف والنوادر من قرية إلى قرية، فيُضحك الناس ويرسم البسمة على وجوه الأطفال، وينتهي به المطاف في كتب التراث بوصفه ألطف حمار عرفه التاريخ.
وكان في هذا الزمان للممانعة حمار له الآذان الطويلة نفسها والنظرة البليدة والبريئة ذاتها، لكن مع فارق بسيط في الحمولة. فبينما كان رفيق جحا ينقل ما يُضحك الناس، كان رفيق «الممانعة» ينقل ما كاد يُبكيهم. وهكذا، وصل الإبداع العسكري إلى مرحلة "الحرب الحميرية". فبعد الصواريخ الدقيقة وغير الدقيقة، والمسيّرات التي تضيع في الطريق، تمّ استدعاء سلاح الفرسان الجديد: حمار يكلّف أقلّ من راجمة صواريخ. يا لها من عبقرية لوجستية!
ومن النقاط المهمّة التي أثارها حمار الممانعة، والتي يجدر التوقّف عندها، مسألة العدوّ الإسرائيلي. وهنا لا بدّ من التنويه والتقدير. نعم، ولكن لماذا؟
فالحمار المسكين، الذي كان يسرح ويمرح في البقاع أو عند الحدود، محمّلًا بما خصّصه له "حزب الله" من تهمة ومهمّة، كان في مرمى طائرات استطلاع ترصد حتى النملة والقشّة التي تحملها، وتحدّد نوعها. فهل يُعقل أن تكون عيون إسرائيل الجوية قد عجزت عن رؤية الحمار المسكين، فلم تستهدفه؟ علمًا أنّ التهمة كانت جاهزة: حمار ممانع تابع للمحور!
لكن، لو جرى استهدافه، للَاحقت "الجرصة" الإسرائيليين حتى آخر الزمان. تخيّلوا أن يصدر بيان عن الكابتن إيلا يقول: "تمّ استهداف حمار مفخّخ". عندها، كانت الممانعة ستجد مادّة دسمة لخطاب جديد عن العدوان على الحيوانات، وربّما طالبت بعقد جلسة طارئة لمجلس الأمن دفاعًا عن حقوق الحمير المناضلة.
شكرًا للعدوّ الإسرائيلي على ضبط النفس!
أمّا السؤال الأخلاقي الكبير الذي يطرح نفسه اليوم، ويهزّ ضمير كلّ مقاوم، فهو: أين الممانعة من قضية الحمار الأسير؟ ألم يحمل المتفجّرات إيمانًا بالقضية؟ ألم يمشِ ويتحمّل كلّ هذا العذاب في سبيل المحور؟ لماذا هذا الصمت المريب؟ أليس من حقّه أن يحظى ببيان تضامنيّ، أو حتى بتغريدة من أحد النوّاب؟
عارٌ على الممانعة أن تطالب بالإفراج عن الموقوفين وشحنة المتفجّرات، ولا تطالب بالإفراج عن الحمار. فهل هو أقلّ شأنًا من الحمولة التي نقلها؟ أم أنّه، بعدما أدّى مهمّته، صار تفصيلًا غير ضروريّ في رواية الانتصارات؟
من واجب الممانعة أن تتحرّك لاستعادته، وأن توفد وسيطًا دوليًا رفيعًا (يُفضل أن يكون حوثيًّا) للتفاوض على إطلاقه. وربّما آن الأوان لتأسيس لجنة نيابية ممانعة للتحقيق في حقوق الحمير العاملة في المحور ومصيرها، وتحديد تعويضاتها، وضمان عدم زجّها مجدّدًا في مغامرات غير مضمونة النتائج.
ونحن، من باب الحرص على حقوق الحيوان، نطالب الأمم المتحدة، واليونيفيل قبل رحيلها، وجمعية الرفق بكل المخلوقات، وفرقة الموتوسيكلات، بالضغط والتدخّل الفوري للكشف عن مصير هذا الحمار المسكين.