يسقط آخر رهان على الخوذ الزرقاء، فيما يبقى السلاح غير الشرعي جاثمًا فوق قرار الدولة. ترحل اليونيفيل عن جنوب لبنان، بعدما أخفقت طوال عقود في منع قيام منظومة عسكرية موازية للجيش، تمدّدت تحت مظلة القرارات الدولية، وحوّلت وجود قوة أممية إلى شاهد على وقائع لم تستطع تغييرها. ينتهي الانتشار، لكن إرث السلاح يبقى، ومعه يسقط الوهم بأن الحضور الدولي قادر وحده على حماية سيادة لبنان.
دخلت اليونيفيل إلى لبنان عام 1978، عقب الاجتياح الإسرائيلي، بموجب القرار 425، بهدف تأكيد الانسحاب الإسرائيلي ومساعدة الدولة على استعادة سلطتها في الجنوب. واعتبر رئيس حزب الكتائب اللبنانية، الشيخ بيار الجميل، دخولها بادرة عمل تحت غطاء دولي، لكن هذا الحضور لم يتحوّل إلى قوة قادرة على فرض سلطة الدولة أو ضبط القوى المسلحة.
عجزت القوات الدولية عن وضع حدّ لنشاط منظمة التحرير الفلسطينية في الجنوب، قبل أن تنسحب المنظمة من لبنان عقب الاجتياح الإسرائيلي عام 1982. ثم برز "حزب الله" بدعم إيراني، وترافق صعوده مع دور الحرس الثوري الإيراني في تأسيسه وتعزيز قدراته. تبدّلت القوى، لكن عجز اليونيفيل عن إنهاء ظاهرة السلاح خارج الشرعية بقي ثابتًا.
كرّس القرار 1701، بعد حرب 2006، مرحلة جديدة من الانتشار الدولي، وصل خلالها عديد اليونيفيل إلى نحو 15 ألف جندي. ورغم التعهدات بتثبيت الاستقرار ومنع عودة المظاهر المسلحة إلى جنوب الليطاني، بنى "الحزب" منظومة عسكرية متشعبة، شملت أنفاقًا ومنشآت وقدرات قتالية متطورة. مرّت السنون من دون أن ينجح الانتشار الأممي في منع هذا التراكم، ما يضع المهمة أمام حصيلة قاسية: إما عجز عن الرصد والتأثير، وإما افتقار إلى الإرادة اللازمة لمواجهة الوقائع. أما اتهام دول، ومنها فرنسا، بالتغاضي أو التواطؤ، فيحتاج إلى أدلة موثّقة تثبت المسؤوليات.
استفاد "حزب الله" من واقع الاستقرار الدولي لتعزيز حضوره العسكري، فيما بقيت الدولة عاجزة عن بسط سلطتها كاملة. وبذلك، يرى منتقدو اليونيفيل أن مهمتها تحوّلت عمليًا إلى مظلة لم تمنع تكريس السلاح غير الشرعي، حتى لو لم يكن نزع السلاح بالقوة من صلاحياتها.
وتؤكد معلومات "نداء الوطن" أن محاولات تمديد ولاية اليونيفيل اصطدمت برفض أميركي وإسرائيلي، فيما تتنامى الشكوك اللبنانية بجدوى استمرارها. ولم تبدّل الاتصالات الدبلوماسية التي أجرتها الدولة مع عواصم فاعلة المواقف السلبية، رغم السعي إلى تأخير الانسحاب أو إيجاد بديل. كذلك، لا يبدو نشر قوات أوروبية جديدة احتمالا جديًا، في ظل ارتفاع مخاطر الحرب وتباين المواقف الأوروبية من إيران و"حزب الله".
تصل مهمة اليونيفيل إلى خواتيمها، فيما لا تزال الدولة تبحث عن ضمانات لمرحلة ما بعد الانسحاب. ولا تبدو فكرة استبدال قوة دولية بأخرى كافية لمعالجة أصل الأزمة، خصوصًا إذا بقي السلاح خارج سلطة المؤسسات الشرعية.
ينتهي زمن التعويل على الخوذ الزرقاء، ويبدأ الاختبار الأصعب أمام الدولة اللبنانية. فالقوات التي لم تستطع منع ترسّخ منظومة السلاح لا تستطيع أن تضمن وحدها أمن الجنوب بعد رحيلها. ولن تُستعاد السيادة بتمديد مهمة دولية أو استبدال جنود بآخرين، بل بقرار واضح يحصر السلاح بالمؤسسات الشرعية. أما استمرار ازدواجية القوة، فيعني أن لبنان سيبقى رهينة معادلات لا تملك الدولة وحدها قرارها.