يدخل لبنان أسبوعًا جديدًا من الكباش السيادي المفتوح بين الدولة والميليشيا. فالأخيرة لم تستسغ بعد الصفعتين اللتين تلقّتهما على يد الشرعية، بضبط شحنة متفجّرات ومداهمة مستودع للأدوية الفاسدة. لكنّ العبرة تبقى في خواتيم هذا النزال، وتحديدًا في مدى صمود الحكومة أمام حملات الضغط المعنوي والسياسي والبلطجة الكلامية والتهويل بالشارع والسلم الأهلي التي ينتهجها "حزب الله"، فيما تستعدّ لجولة المحادثات العسكرية المرتقبة في تامبا، ولبحث مستقبل الجنوب في مرحلة ما بعد "اليونيفيل". وتكمن أهمية هذه الاستحقاقات في تأثيراتها المتبادلة، فكلّ نقطة تسجّلها الدولة لمصلحتها تعزّز بها أوراقها على طاولة المفاوضات، وقدرتها على إقناع المجتمع الدولي بجدّيتها في بسط سلطتها.
وفي أولى تجلّيات هذا الاختبار، برز إصرار رئيس الحكومة نوّاف سلام على المضيّ في الإجراءات الأمنية والقضائية، إذ اتصل بقائد الجيش العماد رودولف هيكل والمدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء رائد عبد الله، مثنيًا على تعزيز انتشار القوى المسلّحة في بيروت الكبرى خلال اليومين الماضيين، وأهمية هذه الخطوة في طمأنة المواطنين بعد التجمّعات الليلية التي أثارت الريبة والقلق من تداعياتها. وشدّد على أنّ الاستقرار لن يستتبّ ما لم تُبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها، ولو تدريجيًا، بقواها الذاتية حصرًا. كما أعلن سلام أنّه اجتمع مع وزير العدل عادل نصّار والمدّعي العام التمييزي رامي الحاج، لمتابعة إجراءات التوسّع في التحقيق بشحنة المتفجّرات المضبوطة في ضهر البيدر وما تلاها، وتوقيف جميع المتورّطين في حيازة أيّ سلاح خارج عن الشرعية أو نقله، وإحالتهم إلى القضاء المختصّ لينالوا عقابهم.
وفي هذا السياق، علمت "نداء الوطن" أنّ الأجهزة الأمنية ترفع مستوى جهوزيتها وتكثّف التنسيق في ما بينها لمواجهة أيّ تهديد أمني قد يلجأ إليه "حزب الله" في الشارع، وأنّ اجتماعًا أمنيًا سيُعقد في بعبدا لهذه الغاية.
ترتيبات ما بعد "اليونيفيل"
وعلى خطّ الاستحقاق الجنوبي، تكثّفت المساعي الدبلوماسية لتحديد مستقبل الوجود الدولي بعد انتهاء مهمّة "اليونيفيل". وفي هذا الإطار، بحث سلام مع وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو والوزيرة المنتدبة لدى وزيرة الجيوش أليس روفو الترتيبات الدولية للمرحلة المقبلة، مشدّدًا على ضرورة تفادي أيّ فراغ أمني وضمان استمرار حضور دولي يتولّى مهام المراقبة والإفادة والتواصل بموجب قرار من مجلس الأمن. وثمّن سلام الدعم الفرنسي لتحقيق الانسحاب الإسرائيلي الكامل، وبسط سلطة الدولة بقواها الذاتية حصرًا، وتعزيز قدرات الجيش وإعادة إعمار الجنوب. كما تناول اللقاء الإصلاحات الاقتصادية والتوصّل إلى برنامج مع صندوق النقد الدولي، فيما جدّد بارو التزام بلاده دعم سيادة لبنان واستقراره. وفي الشأن الاقتصادي، تناول اللقاء مسار الإصلاحات المالية والاقتصادية التي تنفذها الحكومة، وأهمية التوصل إلى برنامج مع صندوق النقد الدولي، بما يساهم في استعادة الثقة بالاقتصاد اللبناني ودعم مسار التعافي.
وفي عين التينة، دعا رئيس مجلس النواب نبيه بري، خلال استقباله الوفد الفرنسي، إلى تحرّك فرنسي وأوروبي ودولي لمنع هذا الفراغ، ووقف الاعتداءات الإسرائيلية وإنهاء الاحتلال.
لكن ما وراء الزيارة الفرنسية؟ علمت "نداء الوطن" أنّ الهدف الأساسي من زيارة بارو هو الحؤول دون خروج فرنسا وأوروبا عسكريًا من لبنان، والحفاظ على وجودهما، سواء عبر "اليونيفيل" أو من خلال قوات أوروبية تحظى بموافقة مجلس الأمن. وفي هذا السياق، أبلغ بارو رئيس الجمهورية جوزاف عون والمسؤولين اللبنانيين استعداد بلاده للمشاركة في تطبيق القرار 1701 واتفاق الإطار، وهي فكرة لاقت ترحيبًا من عون.
غير أنّ العامل الحاسم، وفق معلومات "نداء الوطن"، يبقى في الموقف الأميركي، إذ تضع واشنطن فيتو على مشاركة الفرنسيين، على خلفية التحفّظات الأميركية على دور فرنسا السابق ضمن "اليونيفيل"، وعلاقاتها بإيران و"حزب الله".
نتنياهو يتوعّد بالبقاء
وفي مقابل المسعى الحكومي لتعزيز العزم على بسط سلطة الدولة، جاء تصريح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ليزيد الضغوط، إذ أعرب، أمس، عن عدم ثقته بقدرة الحكومة اللبنانية على نزع سلاح "حزب الله"، مؤكّدًا أنّ القوات الإسرائيلية ستواصل البقاء في ما وصفه بـ"المنطقة الأمنية" في جنوب لبنان، ما لم يُنزع سلاح "الحزب" وتُفكّك قدراته العسكرية. ويأتي تشدّد نتنياهو مدعومًا بجرعة كبيرة من التأييد، تلقّاها من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي أعلن دعمه لإعادة انتخابه في الاستحقاق الإسرائيلي المقرّر في 27 تشرين الأول الجاري، مشيدًا بدوره في مواجهة إيران.