دعت صحيفة «جيروزاليم بوست» الإسرائيلية الحكومة اللبنانية إلى رفض إعادة مئات الكيلوغرامات من المتفجرات التي ضبطتها الأجهزة الأمنية في سيارة على طريق بيروت–البقاع، بعدما أقرّ حزب الله بملكيتها وطالب باستعادتها، معتبرة أن القضية تشكّل اختباراً حاسماً لقدرة الدولة على فرض سلطتها وتنفيذ قراراتها المتعلقة بحصرية السلاح.
وشددت الصحيفة، في مقال تناول القضية والتطورات الأمنية والدبلوماسية المرتبطة بها، على ضرورة احتفاظ السلطات اللبنانية بالمتفجرات وإتلافها بصورة آمنة بعد استكمال التحقيقات، وملاحقة المسؤولين عن نقلها، محذّرة من أن إعادتها إلى حزب الله ستقوّض عمل الأجهزة الأمنية وتكرّس قدرة الحزب على تجاوز سلطة الدولة.
ورأت أن على لبنان إثبات جديته في نزع السلاح ومنع التهريب وبسط سيطرة مؤسساته الأمنية، إذا كان يريد وقف الهجمات الإسرائيلية وانسحاب القوات الإسرائيلية من أراضيه. وفي المقابل، دعت إسرائيل إلى اتخاذ خطوات انسحاب تدريجية تتناسب مع التقدم اللبناني الموثّق في تنفيذ الالتزامات الأمنية.
واعتبرت الصحيفة أن ضبط شحنة واحدة لا يكفي لإثبات استعادة الدولة سيطرتها الأمنية، لكنه يشكّل مؤشراً إلى مدى استعداد السلطات اللبنانية لتطبيق قراراتها في مواجهة مطالب حزب الله، مشددة على أن المساعدات الدولية للجيش اللبناني لن تحقق أهدافها ما لم تُبدِ بيروت استعداداً لفرض سلطتها.
حزب الله يطالب باستعادة المتفجرات
وتأتي مواقف الصحيفة بعد ضبط الأجهزة الأمنية اللبنانية مئات الكيلوغرامات من المتفجرات داخل سيارة عند حاجز على الطريق السريع الرابط بين بيروت والبقاع.
وأقرّ حزب الله بملكيته للشحنة، إذ أعلن النائب حسن فضل الله أن «السيارة وحمولتها تعودان إلى المقاومة»، مطالباً بإعادتها والإفراج عن الأشخاص الذين أوقفوا على خلفية القضية.
وأوضح الحزب أن المواد المضبوطة كانت مخصصة لتنفيذ هجمات ضد القوات الإسرائيلية الموجودة داخل الأراضي اللبنانية.
ورأت الصحيفة أن نقل مجموعة مسلحة مئات الكيلوغرامات من المتفجرات داخل الأراضي اللبنانية من دون موافقة السلطات يتعارض مع مبدأ سيادة الدولة، معتبرة أن الاستجابة لمطالب الحزب ستضعف قدرة المؤسسات الأمنية على تنفيذ مهامها.
روبيو يضغط على عون لمنع إعادة الشحنة
وفي السياق، أشارت الصحيفة إلى تدخل وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الذي طالب الرئيس اللبناني جوزاف عون بالاحتفاظ بالمتفجرات وعدم إعادتها إلى حزب الله.
ونقلت عن مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية أن روبيو شدد، خلال اتصال مع عون، على أن إعادة المتفجرات يجب أن تكون «خارج النقاش»، داعياً إلى محاسبة الأشخاص الذين أصدروا الأوامر المتعلقة بالشحنة وموّلوا عملية نقلها وأشرفوا عليها.
ولفتت الصحيفة إلى أن لبنان أكد مراراً التزامه بحصر السلاح بيد الدولة، وأن الحكومة اللبنانية حظرت في آذار الأنشطة العسكرية لحزب الله، فيما جدد الرئيس عون التزام الدولة بمصادرة الأسلحة غير القانونية ومكافحة التهريب.
واعتبرت أن التحدي الفعلي أمام بيروت يتمثل في تنفيذ هذه القرارات عندما يواجه تطبيقها اعتراضاً مباشراً من حزب الله.
محادثات عسكرية في الولايات المتحدة
وعلى المسار الدبلوماسي، أشارت الصحيفة إلى أن وفداً عسكرياً لبنانياً يُتوقع أن يشارك، الثلاثاء، في محادثات ثلاثية تستضيفها الولايات المتحدة في مدينة تامبا بولاية فلوريدا.
ومن المقرر أن يطالب لبنان خلال المحادثات بوقف الهجمات الإسرائيلية على أراضيه، في إطار تفاهمات ترعاها واشنطن وتربط نزع سلاح حزب الله بانسحاب إسرائيلي تدريجي.
في المقابل، يواصل حزب الله رفض التخلي عن سلاحه ما دامت القوات الإسرائيلية موجودة على الأراضي اللبنانية.
واعتبرت «جيروزاليم بوست» أن المطالب اللبنانية بوقف الهجمات والانسحاب تستحق التعامل معها بجدية، مشيرة إلى أن استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي إلى أجل غير محدد يرتّب أكلافاً، فيما لا يمكن للضربات العسكرية المتكررة أن تشكّل حلاً دائماً.
لكنها شددت على ضرورة أن يضمن أي انسحاب عدم العودة إلى الظروف الأمنية التي سبقت الحرب، معتبرة أن الاتفاقات السابقة الرامية إلى إبعاد حزب الله عن الحدود الإسرائيلية لم تُنفّذ، ما سمح للحزب بتكديس الصواريخ وتطوير بنيته العسكرية والاحتفاظ بقوة مسلحة تفوق قدرات الدولة اللبنانية، وفق توصيف الصحيفة.
شروط إسرائيلية وتدابير للتحقق
ودعت الصحيفة إلى ربط أي تقدم في الانسحاب الإسرائيلي بإجراءات لبنانية ملموسة ومستقلة التحقق، تشمل نزع السلاح ومنع التهريب وتوسيع سيطرة الدولة على الأراضي اللبنانية، بما يتوافق مع الترتيبات المتفق عليها وأمن سكان شمال إسرائيل.
كما طالبت بإتاحة الوصول إلى مواقع الأسلحة المشتبه بها، وإصدار تقارير واضحة بشأن عمليات المصادرة، وتقديم أدلة تؤكد أن المواقع العسكرية التي جرى تفكيكها لم تُستأنف فيها الأنشطة المسلحة.
وشددت على ضرورة تطبيق الإجراءات الأمنية بصورة متساوية على جميع الشحنات المضبوطة، بصرف النظر عن الجهة التي تعلن ملكيتها، ومنع الضغوط السياسية من التأثير في عمل الحواجز والأجهزة الأمنية.
دعم أوروبي للجيش اللبناني
وفي ما يتعلق بالدعم الدولي، أشارت الصحيفة إلى موافقة الاتحاد الأوروبي على مهمة جديدة لتدريب الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي وتقديم المشورة لهما، موضحة أن انتشار هذه المهمة لا يزال معلقاً.
ورأت أن دعم الشركاء الدوليين للمؤسسات العسكرية والأمنية اللبنانية يجب أن يترافق مع التزام سياسي داخلي بفرض سلطة الدولة، معتبرة أن المساعدات الخارجية ستبقى محدودة الفاعلية إذا استمرت الضغوط السياسية في تحديد كيفية تطبيق القرارات الأمنية.
وخلصت «جيروزاليم بوست» إلى أن قضية المتفجرات تمثل اختباراً مباشراً لسيادة الدولة اللبنانية، متسائلة عن الجهة التي تملك حق تحديد القوى المسلحة المسموح لها بالعمل على الأراضي اللبنانية.
واعتبرت أنه إذا كانت الدولة اللبنانية هي صاحبة القرار في هذا الشأن، فإن عليها رفض إعادة المتفجرات إلى حزب الله، والمضي في التحقيق ومصادرة الأسلحة غير القانونية وتنفيذ قراراتها بصورة متسقة.