ايلي الياس

رمادُ الخِيَم في ساحة الشهداء

5 دقائق للقراءة

في السابع عشر من تشرين الأول 2019، خرج اللبنانيون من طرابلس إلى صور، ومن جل الديب إلى النبطية، رفضًا لضريبةٍ على اتصالات "واتساب" أرادت حكومة سعد الحريري إدراجها في موازنة العام التالي. لكنّ الضريبة لم تكن إلا الشرارة، فسرعان ما ارتفع السقف إلى المطالبة برحيل الطبقة الحاكمة برمّتها بشعارات ولغةً كانت عابرة للطوائف.

غير أنّ هذا الشارع اصطدم بجدارٍ مزدوج: منظومة وُلدت من رحم انتفاضة 6 شباط 1984، حين أسقطت الميليشيات سلطة الدولة في بيروت الغربية وفرضت السلاح شريكًا في الحكم، وميليشيا إيرانية ورثت هذا المنطق ووسّعته حتى صارت دولةً موازية تحرس النظام مقابل التستر عن دويلتها الأمنية تحت الأرض وفوقها. فدولة 6 شباط و"حزب الله" لم يكونا خصمين في وجه الثورة، بل حليفين في الدفاع عن نظامٍ يتقاسمان ريعه: الأولى تمسك بمفاتيح المجلس والإدارة، والثاني يمسك بالسلاح والقرار الاستراتيجي.

وهي معادلة مقايضة لا شراكة. فالمنظومة تمنح السلاح غطاءً شرعيًا، تُكرّسه البيانات الوزارية تحت عنوان "الجيش والشعب والمقاومة"، والسلاح يمنح المنظومة حصانةً من المحاسبة، فلا قضاء يقترب ولا تدقيق يكتمل. نبيه بري يجلس على رأس المجلس النيابي منذ عام 1992، فيفتحه ويقفله على إيقاع الحاجة، ووزارة المال تحوّلت إلى "توقيعٍ ثالث" يُمسك بمفاصل السلطة التنفيذية. وفي المقابل، يحتفظ "الحزب" بقرار الحرب والسلم، وبحدودٍ لا تضبطها الدولة، وبمؤسسات مالية واجتماعية خارج رقابتها. ثم اتّسعت الدائرة في 6 شباط 2006، يوم وُقّع تفاهم مار مخايل، فدخل أهل التفاهم إلى الحلف، وصار للسلاح غطاءٌ مسيحي بعدما كان له غطاءٌ شيعي، قبل أن يُثبّت اتفاق الدوحة عام 2008، على أنقاض 7 أيار، الثلثَ المعطِّل حقًّا مكتسبًا بقوّة الشارع المسلّح. هكذا تكاملت الأدوار: الفساد يموّل الولاء، والسلاح يحمي الفساد، والطائفة تُستدعى درعًا للاثنين. فلمّا رفع الشارع شعار "كلّن يعني كلّن"، أدرك الشريكان أنّ سقوط أحدهما يعني انكشاف الآخر، وأنّ الدولة التي تطالب بها الساحات هي نهاية الاثنين معًا.

جاء الإنذار الأول على لسان حسن نصرالله. ففي خطابه يوم 25 تشرين الأول، اليوم التاسع للانتفاضة، رفض استقالة الحكومة والانتخابات النيابية المبكرة، ودعا أنصاره إلى مغادرة الساحات، مشكّكًا في عفوية الحراك، ومتحدّثًا عن تمويلٍ مجهول وأجنداتٍ خارجية، ومحذّرًا من حربٍ أهلية. وفي اليوم نفسه، هاجمت مجموعة موالية لـ"الحزب" المعتصمين في ساحة رياض الصلح بعد هتافاتٍ ضدّ فساد الطبقة الحاكمة، فيما جابت مواكب سيّارة ترفع أعلام "الحزب" الضاحية الجنوبية وبعلبك وصور. الرسالة واضحة: من يقترب من اركان دولة 6 شباط يقترب من الخطّ الأحمر.

ثم انتقل الإنذار من الكلام إلى الفعل. ففي 29 تشرين الأول، اقتحم مئات من مناصري "حزب الله" وحركة "أمل"، بالعصيّ والقضبان الحديدية، نقطة قطع الطريق على جسر الرينغ، ثم زحفوا إلى ساحتي رياض الصلح والشهداء، فاقتلعوا الخيم وأحرقوها، وحطّموا الكراسي، واعتدوا على الصحافيين، وهم يهتفون لنصرالله ونبيه بري في إعلان عن القيام بدورهم من الاتفاق حيث في المساء نفسه، قدّم الحريري استقالته. هكذا تزامن سقوط الحكومة مع حرق الخيم: تنازلٌ شكليّ في السراي، وتأديبٌ ميداني في الساحة.

وتكرّر المشهد ليل 24 تشرين الثاني، حين انقضّ عشرات الشبان، سيرًا وعلى درّاجات نارية، رافعين رايتي "الحزب" و"أمل"، على متظاهرين قطعوا جسر الرينغ استجابةً لدعوة إلى الإضراب العام والعصيان المدني. فتحوّل الجسر نحو أربع ساعات إلى ساحة حرب، بالحجارة والعصيّ وتحطيم واجهات المحالّ والسيارات، حتى أطلق الجيش القنابل المسيّلة للدموع. وفي 26 تشرين الثاني، امتدّت الاعتداءات إلى بعلبك، حيث أُطلق الرصاص من سيارات ترفع أعلام الحزب فأصيب 15 شخصًا، وإلى صور، حيث أُحرقت خيم المعتصمين.

لم يكن العنف عشوائيًا، بل منهجًا بثلاثة أبعاد: تخوينٌ يجرّد الثوار من شرعيتهم، وترهيبٌ يُفرغ الساحات من جمهورها، وتطييفٌ يعيد اللبنانيين إلى خنادقهم المذهبية. فالانتفاضة التي هتفت "كلّن يعني كلّن" كان يجب أن تُستدرج إلى صراع "شارع" مقابل "شارع"، كي يستعيد كلّ من اركان دولة 6 شباط رعيّته، وكي تبدو الثورة تهديدًا للسلم الأهلي لا فرصةً لبناء الدولة. وقد نجح ذلك جزئيًا: فهجوم الرينغ أضعف المشاركة في الإضراب العام صباح اليوم التالي، فيما انسحب المعتدون بلا مساءلة، وسط اتهاماتٍ للقوى الأمنية بالتساهل معهم.

ثم أكمل أهل التفاهم ما بدأته العصيّ. ففي كانون الثاني 2020، وُلدت حكومة حسّان دياب، حكومةُ لونٍ واحد شكّلها "حزب الله" وحلفاؤه تحت لافتة "التكنوقراط"، فاستعادت المنظومة السلطة كاملةً بعدما ظنّ اللبنانيون أنهم انتزعوها منها. وبالتوازي، تحوّل الشارع إلى ملفٍّ أمني: ناشطون يُستدعَون إلى التحقيق بتهمٍ جاهزة، ومؤثّرون يُشهَّر بهم بوصفهم "عملاء سفارات"، وجرحى يُتركون بلا عدالة. فما عجزت عنه العصيّ في الساحات، أنجزته الإدارة والقضاء والإعلام الموالي في المكاتب، حتى بدا أنّ دولة 6 شباط لم تسقط يومًا، بل غيّرت أدواتها فقط: من المتراس عام 1984، إلى الدرّاجة النارية عام 2019.

لم تُهزم 17 تشرين لأنّ مطالبها كانت خاطئة او لأنها ربما لم تقدم مشروع واضح وخطوات واضحة لتغيير حقيقي، بل لأنها غضت النظر عن حراس هذه المنظومة وادواتها!