تُدار السياسة في الجنوب السوري ليس فقط عبر القوة العسكرية والجغرافيا، بل أيضاً عبر التاريخ. ويتجلى ذلك في إعتماد تسمية "جبل باشان" كجسر عبور نحو إسرائيل التي يصفها الشيخ حكمت الهجري بالشريك الإستراتيجي في مسار تقرير المصير.
لكن المفارقة هي أن الرواية التوراتية لا تقدم إسرائيل وباشان كحليفين طبيعيين. بل على العكس، عوج، حاكم باشان، واجه بني إسرائيل عند أدرعي، المعروفة اليوم بمنطقة درعا، قبل أن يتم الإستيلاء على أراضيه. لذلك. إن استخدام هذه الرواية لا يقدم دليل على علاقة تاريخية مع إسرائيل الحديثة بل ينقلب على الغاية منه، اذ يسمح باستخلاص العبرة المعاكسة وهي أن هذا التدخل ليس لحماية هذه الأرض بل لمصادرتها.
هذا لا يعني أنه ليس من حق السويداء أن ترفض مركزية النظام السوري وأن تطالب بترتيبات أمنية تحميها في ضل غياب أي إستنكار عربي أو اسلامي لمجازر تموز.
لا شك أن التقارب الإسرائيلي سمح بتغيير موازيين القوى ومنح القيادة الدرزية هامشاً أكبر في المواجهة العسكرية، لكن المغالاة فيه يصوّر الدروز على أنهم بحاجة أن يصبحوا امتداداً لأمة أخرى كي يبرروا حقهم في الادارة الذاتية.
وهذا لا يحل محنة التذويب، بل يعيد إنتاجها في اتجاه معاكس. فالتحرر من الإسلام السياسي لا يعني الارتهان للجهاز الأمني الإسرائيلي. لذلك، التحدي الأكبر أمام السويداء هو الانتقال من القدرة العسكرية على الصمود إلى بناء مؤسسات تقوم على الكفاءة لا على المحسوبية،
وعلى المشاركة في صنع القرار لا على الولاءات الموروثة، وعلى حماية حقوق النساء والفئات المهمّشة لا التضييق عليها.
النظام السوري لم يسقط، بل انتقل من البعث إلى الحركات الإسلامية.
وعليه، إن نجاح هذه الإدارة في السويداء سيشكّل نموذجاً أفضل للحكم من ذلك الذي تكرّسه السلطة الإنتقالية في دمشق، وإنعكاساً أكثر قرباً المطالب الأولى التي قامت عليها الثورة السورية. هذه التجربة، إذا نجحت، قادرة أن تحوّل السويداء من حالةٍ تسعى إلى حماية نفسها من محيطها إلى نموذج يمكن للآخرين في سوريا الإلتفاف حوله.
من هذا المنطلق، إن تحديد الخيارات وفق أهداف سياسية محددة، وليس بالإجابة عن سؤال «من يحمينا؟»، يمنح الإدارة الذاتية أساساً أكثر استدامة، ويقدّمها كمشروع سياسي قائم على مكتسبات ملموسة، وقادر على بناء نفسه من موقع مستقل، ليس إنطلاقاً من حماية مشروطة تأمنها قوةٍ إقليمية.
وهذه القدرة ليست طارئة، بل لها جذور في التاريخ السياسي وتقاليد التضامن المجتمعي في الجبل. ولعل أبرز ما يجسّد هذا الإرث هي تجربة سلطان باشا الأطرش والثورة السورية الكبرى التي انطلقت من السويداء بوجه الانتداب الفرنسي، كما انطلقت قبلها حركات نضالية في وجه التجبّر العثماني؛ وهما قوتان امتلكتا من أدوات السيطرة العسكرية والسياسية ما يفوق بكثير ما تملكه سلطة دمشق اليوم.
هذا الإرث يدحض، في الوقت نفسه، الحاجة الى تكبيل الخصوصية الدرزية بحماية إسرائيلية أو بالاستتار خلف تقيّة اسلامية هزيلة، كما يدحض السردية التي تصوّر مشروع الحفاظ على الهوية كمغامرة توظّف الدروز في تحالف أقليات قادر على إغضاب المحيط العربي والاسلامي.
في منطق قفير النحل
كان فضيلة الشيخ الراحل أبو محمد جواد ولي الدين زاهدًا، متقشّفًا، عصاميًّا لا يأكل إلا من غلٌة أرضه وتربية نحله. حتى أنه عندما أقعده المرض قام بتكليف أحد الشبان ليتابع عبره شؤون الحشرات التي أحب.
وقد شبّه الشيخ الراحل روحيّة المجتمع الدرزي بقفير النحل: مجتمع منظّم، لكل قفير ملكته وحراسه وعامليه؛ إذا تُرك وشأنه، يتكامل لإنتاج ما هو نافع كالعسل، وإذا مُسَّ، لا يعبأ بحجم من يعتدي عليه، بل يستنفر للدفاع، حتى لو كان معنى ذلك التضحية بالنفس.
إضافة لهذا السلوك الفردي الذي للدروز نصيب منه، نجد في هذه الصورة ثلاث دلالات تستحق التوقف عندها:
أولاً، استجابة النحل ليس انتحاراً، بل دفاعٌ عن الحياة الجماعية. فالقفير كيانٌ متكامل يتجاوز الفرد. والنحل لا يسعى إلى الانتصار على المعتدي بقدر ما يسعى إلى جعل الاقتراب من القفير مؤلماً الى حد الإبتعاد، ولهذا هو قادر على مواجهة قوة تفوقه حجماً بآلاف المرات.
ثانياً، لا يعيش القفير على حماية قفيرٍ آخر، ولا يتحوّل إلى أداةٍ في خدمة قوةٍ خارجية في مواجهة قفير سواه. فلكل جماعةٍ من النحل بنيتها الخاصة، وأفرادها الذين يؤمّنون حمايتها وبقاءها. ووجود ملكةٍ في قفيرٍ لا يعني أن وجود ملكةٍ في قفيرٍ آخر يشكّل تهديداً لها، ولا أن بقاء إحداهما يستلزم زوال الأخرى.
ثالثاً، لم يُخلق النحل لتقديم العسل للانسان؛ بل إن الإنسان اكتشف إمكانية الاستفادة من الفائضٍ الذي تنتجه الخلية القائمة بذاتها. وبالمثل، لم يُخلق المجتمع الدرزي لخدمة قضايا الآخرين؛ بل إن التيارات الكبرى هي التي اكتشفت، عبر التاريخ، سبل توظيف وجوده لمصالحها.
ولعل هذا هو التحوّل الذي يحتاجه المجتمع الدرزي اليوم: الانتقال من جبل باشان، بما يرمز إليه من الاحتماء بقوةٍ خارجية، إلى قفير النحل، بما يرمز إليه من قدرة المجتمع على تنظيم نفسه وإمتلاك قراراه والانصراف إلى قضاياه، وقضاياه فقط.