المحامي رفيق اورى غريزي

بين اللاجئ والفلول: لبنان أمام امتحان التمييز بين الضحية والجلّاد

12 دقيقة للقراءة

لم يكن سقوط بشار الأسد في الثامن من كانون الأول 2024 حدثاً سورياً خالصاً. كان، في عمقه، سقوطاً لصيغةٍ حكمت لبنان نصف قرن، صيغةٍ جعلت من بيروت حديقةً خلفية للأجهزة، ومن الحدود ممراً للسلاح والمطلوبين والمخدرات، ومن «العلاقات المميزة» غطاءً لوصايةٍ لم تعرف يوماً معنى الدولة الندّ. ولذلك فإن ما نشهده اليوم من ذهابٍ وإيابٍ بين الوزراء والوفود ليس تفصيلاً بروتوكولياً، بل هو اختبار لسؤالٍ ظل معلّقاً منذ الاستقلال: هل يستطيع البلدان أن يتعاملا كدولتين، لا كساحةٍ ومستتبِع؟ غير أن هذا الانفتاح يصطدم بملفين يبدوان متشابهين في الشكل ومتناقضين في الجوهر: ملف مئات آلاف السوريين الذين فرّوا من بطش النظام، وملف بقايا ذلك النظام الذين فرّوا من الحساب إلى الأرض ذاتها. وهنا تكمن الإشكالية: هل يملك لبنان، وهو يفتح صفحة الدولة مع الدولة، أن يميّز بين لاجئٍ هرب من الاستبداد وضابطٍ هرب من العدالة، من دون أن يقع في خطيئتين متقابلتين، إعادة الضحية قسراً، أو إيواء الجلّاد بذريعة الحماية؟

لنبدأ من الوقائع، فهي أصدق من الخطابات. في أواخر آذار 2025 وقّع وزيرا الدفاع ميشال منسى ومرهف أبو قصرة في جدة، برعاية سعودية، اتفاقاً للتعاون في ترسيم الحدود، وفي 14 نيسان زار رئيس الحكومة نواف سلام دمشق للمرة الأولى. وفي 14 كانون الثاني 2026 حطّ في بيروت العميد عبد الرحمن الدباغ، المسؤول في الاستخبارات السورية، والتقى مسؤولين في الاستخبارات اللبنانية لبحث ملف ضباط النظام السابق المقيمين في لبنان، فكان الأمن أول أبواب الانفتاح لا آخرها. وفي 6 شباط وقّع نائب رئيس الحكومة طارق متري ووزير العدل السوري مظهر الويس، في السراي الحكومي، اتفاقية قضائية تتعلق بالموقوفين والمحكومين السوريين في السجون اللبنانية، تشمل نقل نحو 300 محكوم بدأ تنفيذها في آذار. ثم عاد سلام إلى دمشق في 9 أيار 2026 على رأس وفد ضمّ نائبه طارق متري ووزراء الطاقة جو صدي والاقتصاد عامر البساط والأشغال فايز رسامني، فاتُّفق على لجان تقنية مشتركة ومجلس أعمال لبناني سوري. وفي 2 تموز حلّ وزير الخارجية أسعد الشيباني في بيروت، فجال على الرؤساء الثلاثة وعلى بكركي ومعراب والصيفي ودار الفتوى في طرابلس، حاملاً دعوةً للرئيس جوزاف عون إلى دمشق، ومعلناً أن سوريا لا تنوي أي تدخل عسكري في لبنان. وفي منتصف الشهر نفسه قصد البساط دمشق لإطلاق مجلس الأعمال. وفي 5 آب جاء العميد ملهم الشنتوت، نائب وزير الداخلية للشؤون الأمنية، على رأس وفد من وزارتي الداخلية والخارجية، للبحث في تنفيذ اتفاقية السجناء وفي ملف فلول النظام السابق، وفي 23 أيلول ترأس وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار وفداً حكومياً سورياً واسعاً إلى بيروت. وقبل يومين فقط، في 18 و19 تشرين الأول، كانت وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد في دمشق إلى جانب نظيرتها هند قبوات، تبحثان العودة وحماية الأطفال والرعاية الاجتماعية، وتعدّان مذكرة تفاهم لم تُوقَّع بعد، فيما يستعد متري لزيارة دمشق الأسبوع المقبل على رأس وفد وزاري، بالتزامن مع تسليم دفعة جديدة من السجناء السوريين.

هل هذا الانفتاح عشوائي؟ القراءة المتأنية تقول لا. ثمة تراتبية واضحة: الأمن أولاً، بالحدود والسجناء، ثم الاقتصاد بالكهرباء والترانزيت ومجلس الأعمال، ثم الملف الاجتماعي والإنساني. وهي تراتبية تحمل بصمة مظلة عربية، سعودية خصوصاً، تريد للبلدين أن يخرجا معاً من الزمن الإيراني. لكن الخطة، إن صحّت التسمية، تبقى خطة سلطات تنفيذية لا خطة دولة: لا وثيقة معلنة، ولا مساءلة نيابية، ولا جدول زمني، ولا مراجعة لمعاهدة «الأخوة والتعاون والتنسيق» لعام 1991 ولمجلسها الأعلى، وهما الإطار القانوني الذي صاغته الوصاية لنفسها ولا يزال قائماً على الورق. ويزيد المشهد تعقيداً أن الحماسة ليست متكافئة. فوليد جنبلاط، الذي كان أول من فتح ملف الضباط الفارين، قال على شاشة LBCI مساء 19 تشرين الأول إن الأولوية هي «تثبيت العلاقة مع سوريا لا الهروب منها»، وإن «الجانب اللبناني هو من يهرب لا الجانب السوري». ولا يحتاج المراقب إلى كثير عناء ليلاحظ أن الوفود السورية الأمنية والاقتصادية تتوالى على بيروت، بينما لم يُلبِّ رئيس الجمهورية بعدُ الدعوة التي حملها الشيباني إلى دمشق. فنحن أمام نيةٍ سياسية صادقة على الأرجح، لكنها لم تتحول بعد إلى بنيانٍ مؤسسي يحميها من تبدّل الأشخاص والظروف.

أما اللاجئون، فأرقامهم تقول شيئاً وتخفي أشياء. تفيد المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بأن نحو 630 ألف لاجئ مسجّل عادوا من لبنان بين كانون الثاني 2025 ونيسان 2026، وبأن المسجّلين الباقين باتوا دون المليون. وتقدّر السلطات السورية أن نحو 486 ألف شخص عبروا من لبنان إلى سوريا بين 2 آذار و10 حزيران 2026 وحدها، أي في أثناء الحرب الإسرائيلية الأخيرة. والوزيرة السيد تتحدث اليوم عن نحو 700 ألف عائد منذ سقوط الأسد، فيما كانت التقديرات الحكومية في أيار تتحدث عن نحو مليون ونصف مليون سوري ما زالوا في لبنان. وعلى المستوى الإقليمي، عاد نحو 1.8 مليون سوري من دول الجوار حتى نهاية آب 2026، لكن الأمم المتحدة تقدّر أن نحو 5.5 ملايين ما زالوا نازحين داخل بلدهم وخارجه.

لماذا لا يعود الباقون؟ ليس لأنهم يحبون المخيمات. البيوت مهدّمة أو مشغولة، والقانون رقم 10 لعام 2018 والمرسوم 66 لعام 2012، اللذان حذّر مقررون أمميون في أيلول الماضي من أنهما شرّعا نزع الملكيات على نطاق واسع، ما زالا نافذين. والوثائق المدنية مفقودة، والليرة منهكة، والخدمات شبه معدومة، والاحتجاجات على أسعار المحروقات اندلعت في أيلول. ثم إن الأمن ليس واحداً في الجغرافيا السورية: مجازر الساحل في آذار 2025 التي قضى فيها نحو 1500 علوي بحسب «رويترز»، والاشتباكات في السويداء، والتوغلات الإسرائيلية شبه اليومية في الجنوب. وكما قال لاجئ في شمال لبنان لمفوضية اللاجئين، فإن العقبة الكبرى هي السكن والرزق وكلفة البدء من الصفر. هؤلاء لا ينتظرون قراراً سياسياً، بل ينتظرون حياةً ممكنة.

ولماذا خفت الحديث عن اللجوء؟ لأن الملف كان، في جزءٍ كبير منه، ملفاً سياسياً قبل أن يكون إنسانياً. استُخدم طويلاً فزّاعةً ديموغرافية وطائفية، وورقةً للتطبيع مع نظامٍ كان يرفض عودة من هجّرهم. فلما سقط النظام سقطت الذريعة، ولما جاءت الحرب في آذار 2026 دفعت مئات الآلاف إلى العبور، فبدا كأن المشكلة تحلّ نفسها. وهنا الخطر الحقيقي. فالمفوضية نفسها وصفت ظروف الحرب بأنها «قوة قاهرة»، والقوة القاهرة لا تصنع عودةً طوعية. لقد استقر الاجتهاد الدولي، منذ حكم دائرة الاستئناف في المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة في قضية «كرنوييلاتس» عام 2003، على أن معيار مشروعية الانتقال هو وجود «خيار حقيقي». ومن يعود هرباً من القصف لم يختر العودة بقدر ما اختار النجاة. والصمت عن الباقين اليوم صمتٌ عن أصعب الحالات: الأطفال غير المصحوبين، والمرضى، ومن لا بيت لهم، ومن يخشون الانتقام.

في الضفة الأخرى، يقف ملفٌ مختلف تماماً. منذ الأيام الأولى لسقوط الأسد، عبر إلى لبنان ضباط ورجال أعمال وأمنيون من الدائرة الضيقة. في كانون الأول 2025 نشرت «رويترز» تحقيقاً عن اللواء كمال حسن، الرئيس السابق للاستخبارات العسكرية، ورامي مخلوف، يموّلان من موسكو عشرات آلاف المقاتلين المحتملين، وعن نحو 200 ألف دولار أُرسلت نقداً إلى 80 ضابطاً في لبنان. وبعد أيام بثّت «الجزيرة» تسجيلات نُسبت إلى اللواء سهيل الحسن والعميد غياث دلا، تتحدث عن غرفة عمليات في بلدة الحيصة في سهل عكار، فدعا نائب رئيس الحكومة طارق متري الأجهزة إلى التحقق واتخاذ التدابير. وفي أيلول 2026 فكك فرع المعلومات شبكة تمتد من عكار إلى الضاحية الجنوبية فالبقاع، أوقف فيها خمسة أشخاص، ثلاثة سوريين ولبنانيان، وضُبطت أسلحة ومتفجرات في تلبيرة العكارية، وورد بين الموقوفين اسم ضابط سابق في الاستخبارات الجوية من آل صافي، بينما تتباين الروايات المسرّبة حول هوية المشغّل المقيم في موسكو. وتحدثت التسريبات عن صلات بعناصر من «حزب الله» نفاها الحزب، ولم يثبت التحقيق بعد أي دور تنظيمي له. وبين هذين التاريخين سلّم لبنان، في 19 آب، اللواء عادل عيسى إلى دمشق بموجب الاتفاقية القضائية لعام 1951، وأوقف الجيش في 11 أيلول سليمان هلال الأسد في البقاع. ثم جاء 15 تشرين الأول ليذكّر بأن الملاحقة صارت إقليمية: أعلنت الاستخبارات السورية القبض على علي كيالي، المعروف بمعراج أورال، المتهم الأول بمجزرة البيضا ورأس النبع في بانياس عام 2013، بالتنسيق مع الاستخبارات التركية وفي أثناء محاولته الفرار عبر الحدود، وسارعت الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية إلى التذكير بأن المحاسبة لا تكون إلا بإجراءات قانونية وأحكام قضائية. وفي الحلقة التلفزيونية ذاتها، رمى جنبلاط بالسؤال في وجه الأجهزة: الأمن العام وأمن الدولة، متحدثاً عن تقصيرٍ متعمّد في ملاحقة الفلول وعن ضباط لبنانيين متواطئين معهم، ومحمّلاً السلطة السياسية مسؤولية الإمساك بأجهزتها، «وإن كان الأمر عكس ذلك فهذه مصيبة». وهي اتهامات لا تُثبت بتصريح، لكنها لا تُدفن بصمت؛ ولعل توقيف عنصر في أمن الدولة في شبكة أيلول يجعلها أبعد من أن تكون مجرد سجال.

هنا تحديداً يصبح التمييز القانوني ضرورة لا ترفاً. فاللاجئ والضابط الفار لا يتشاركان إلا الحدود التي عبراها. صحيح أن لبنان ليس طرفاً في اتفاقية اللاجئين لعام 1951، لكنه طرف في اتفاقية مناهضة التعذيب، وفي العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وفي اتفاقية حقوق الطفل، وهو ملزم بمبدأ عدم الإعادة القسرية بوصفه قاعدة عرفية. ومنطق اتفاقية 1951 نفسه يرسم الخط الفاصل: فالمادة الأولى (واو) تستبعد من الحماية من تقوم أسباب جدية للاعتقاد بأنه ارتكب جرائم ضد الإنسانية أو جرائم حرب، والمادة 33 (2) لا تسمح بالاستثناء إلا على أساس خطر فردي ثابت. بعبارة أخرى، الحماية حقٌّ للضحية لا ملاذٌ للجلّاد، لكن نزعها لا يكون بالانتماء ولا بالشبهة الجماعية، بل بالدليل الفردي.

كيف ينبغي للحكومة أن تتعامل مع هؤلاء؟ على ثلاثة مسارات متمايزة. الأول لبناني صرف: كل من يجمع سلاحاً أو ينظّم شبكة أو يدرّب مقاتلين على الأرض اللبنانية يُلاحَق أمام القضاء اللبناني بجرائم الاعتداء على أمن الدولة، لأن السيادة لا تتجزأ، ولأن اتفاق الطائف نصّ صراحةً على ألا يكون لبنان مصدر تهديد لأمن سوريا. وإذا صحّ ما يقوله جنبلاط، فإن الملاحقة تبدأ من داخل الأجهزة نفسها: تحقيق تجريه النيابة العامة التمييزية، لا الجهاز المعني، ورقابة نيابية فعلية عبر لجنة الدفاع والداخلية، لأن الجهاز الذي يُتّهم بالتواطؤ لا يحقق في نفسه. والثاني قضائي مشترك: الاسترداد ممكن ومشروع، لكن ملفاً بملف، بقرارٍ قضائي معلّل، وأدلةٍ فردية، وحقٍّ في الدفاع، وضمانات جدية بالمحاكمة العادلة. فالمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان قضت في «سعدي ضد إيطاليا» عام 2008 بأن خطر التعذيب في الدولة المستقبلة لا يوزَن مقابل اعتبارات الأمن، والمادة الثالثة من اتفاقية مناهضة التعذيب لا تعرف استثناءً. واتفاقية 1951 واتفاقية شباط 2026 تنظّمان الإجراء، لكنهما لا تعفيان القاضي اللبناني من التحقق من مصير المسلَّم. وتسليم اللواء عيسى خلال أقل من أسبوعين من توقيفه، بعيداً عن أي نقاش علني، يستحق أن يكون سابقةً تُبنى عليها قواعد، لا سابقةً تُكرَّر بلا قواعد. والثالث، وهو الأخطر، حماية المدنيين العلويين الذين لجأوا بعشرات الآلاف إلى عكار وجبل محسن هرباً من مجازر الساحل، من أن يصبحوا رهائن لشبهةٍ جماعية. لقد قررت دائرة المحاكمة في قضية «تشيليبيتشي» عام 1998 أن الانتماء إلى جماعة لا يبرّر بذاته الاحتجاز، وقررت المحكمة الخاصة بسيراليون في قضية «فوفانا وكونديوا» أن العقاب الجماعي هو إنزال العقوبة بأشخاص عن أفعال لم يرتكبوها. فإن داهمت الأجهزة الحيصة، فلتداهم مستودعاً لا قريةً، ولتوقف مشتبهاً لا طائفة.

والدراسة التي أعددتُها حول البنود القسرية للعودة تصلح هنا ميزاناً. فهي تقوم على ثلاثة مبادئ: لا عودة بلا خيار حقيقي، ولا حرمان من المساعدة عقاباً على البقاء، ولا قيد على الحرية إلا بقرار فردي معلّل قابل للمراجعة. وإذا طُبّقت على المشهد اللبناني السوري، فإنها تقول للحكومة إن خطة العودة يجب أن تبقى طوعية، مقترنة بضمان الحق في السكن واسترداد الملكيات وفق «مبادئ بينيرو» لعام 2005، وإن ملف الفلول يجب أن يُدار بأدوات القضاء لا بأدوات الأمن السياسي، وإن الخلط بين الملفين يخدم الطرفين اللذين لا يريدان دولة: من يريد ترحيل اللاجئين جملةً، ومن يريد حماية الفلول جملةً.

خلاصة القول إن الانفتاح اللبناني السوري يحمل فرصة نادرة لإنهاء زمن الوصاية من دون الوقوع في زمن العداء، لكن الفرصة لا تتحول إلى مسار إلا بثلاثة شروط: أن تُعاد صياغة الإطار التعاقدي بين البلدين على أساس الندّية، فتُراجَع معاهدة 1991 ويُستبدل بمجلسها الأعلى العلاقاتُ الدبلوماسية الطبيعية واللجانُ التقنية الخاضعة للرقابة؛ وأن تتحول عودة اللاجئين من رقمٍ يُعلن في المؤتمرات الصحافية إلى سياسةٍ تُقاس بقدرة العائد على البقاء؛ وأن يُعامَل الفلول بوصفهم مسألةَ عدالة لا ورقةَ مقايضة. لقد عاش السوريون واللبنانيون طويلاً تحت منطقٍ واحد: أن الأمن يبرّر كل شيء، وأن الدولة هي الجهاز. والامتحان اليوم ليس أن نُحسن استقبال الوزراء، بل أن نُحسن التفريق بين من جاءنا هارباً من السجن ومن جاءنا هارباً من المحكمة. فالدولة التي تخلط بين الاثنين لا تخسر العدالة وحدها، بل تخسر السيادة التي تزعم الدفاع عنها.