لبنان المأزوم اقتصادياً ومالياً وسياسياً يواجه ما هو أكبر من تحدي الخيار في السبعينات بين دورين: هانوي أم هونغ كونغ؟ هكذا كان السؤال - الخيار أيام شعار تحرير فلسطين من لبنان وتغيير النظام اللبناني بقوة المنظمات الفلسطينية. والذين تحمسوا لأن تلعب بيروت دور هانوي عاصمة المقاومة الفيتنامية للقوات الأميركية في الجنوب، وسخروا من دور هونغ كونغ في الإزدهار الإقتصادي، تجاهلوا حقيقتين: الأولى أن هانوي كانت مدعومة من الإتحاد السوفياتي والصين الشعبية. والثانية أن بيروت العريقة في الإزدهار متروكة لقدرها في الصراع العربي – الإسرائيلي. فلا رحموا لبنان، ولا أفاقوا من حلم "الإنتصارات" إلا على كابوس الإجتياح الإسرائيلي.
اليوم صار الخيار مزدوجاً وفي حاجة إلى رموز أخرى. أولويات هانوي بناء الإقتصاد والتنمية البشرية بمساعدة أميركا نفسها. وهونغ كونغ حالياً مسرح تظاهرات مليونية تطالب بالديمقراطية وتتحدى السلطة المركزية في الصين. والمطلوب من بيروت لعب دورين معاً: دور القاعدة والجبهة الأمامية لـ"محور الممانعة والمقاومة" الذي هو الإسم الرمزي للمشروع الإيراني الإقليمي. ودور البحث عن إستثمارات ومساعدات من الدول المعادية لهذا المحور، على أمل الخروج من هوة الأزمة الإقتصادية والمالية. وهذه مهمة صعبة تحتاج إلى توازن يومي بين متطلبات الدورين. وها نحن نجد أنفسنا في وقت واحد محكومين بإعلان "طوارئ إقتصادية" بعد اجتماع سياسي في قصر بعبدا، ومتابعة نوع من "الطوارئ الأمنية والعسكرية" هنا وعند العدو الإسرائيلي.
ولا جواب حاسماً عن سؤال يشغل الصديق والعدو: هل وضع ردّ "حزب الله" والردّ الإسرائيلي عليه نقطة في نهاية السطر في قواعد الإشتباك أم لا؟ لكن ما حدث أكد خمسة أمور على الأقل. أولها تطور قدرات "المقاومة الإسلامية". وثانيها لا جدوى من قوات "اليونيفيل" التي جرى تبادل القصف من فوق رؤوسها. وثالثها الخرق الأول المعلن من المقاومة لأحكام القرار 1701، وإعلان سقوط "الخطوط الحمر". ومفارقة الدعوات الى استكمال تطبيق القرار. ورابعها أنه ليس في لبنان دولة قوية بل سلطة ضعيفة يلعب "حزب الله" دور الشريك الأساسي في قراراتها، وتبقى هي خارج قراراته وتعمل ديبلوماسياً لحمايتها. وخامسها الحاجة إلى أميركا وأوروبا وروسيا لتهدئة الأمور والحؤول دون الإنزلاق إلى حرب لا يريدها أحد، مع أننا دائماً في ما تسميه اسرائيل "المعركة بين الحروب".
ولا مجال للخطأ في قراءة الحسابات المتحكمة بالقرارات: ليس في لبنان أمر معزول عن المشهد الخارجي الواسع الذي هو أكبر من اللعبة بين أميركا وإيران.