المحامي محمد آصف ناصر

القارة الفتاة

5 دقائق للقراءة

يُقال إن التاريخ ابن الجغرافيا، غير أن الأصح أن التاريخ ابن الجغرافيا والاقتصاد، فإذا كان التاريخ يولد من رحم الجغرافيا فإن البنى الجينية لتحولاته الكبرى يحكمها الاقتصاد الناشئ عن حتمية بقاء الجنس البشري وحركية الديموغرافيا.

وفي حركية الديموغرافيا تقف القيم الإنسانية حارساً على باب هيكل الحضارة، فتُطَوِّع المدنية وتُخضِعَها لسلطان حرية الضمير والأخلاق، والأخلاق مسألة فطرية تنشأ مع المرء في تكونه الجيني الأول، وتتأسس الأخلاق على مفهوم الحقوق، ومن هنا يكون أي اعتداء على حق الآخرين في تجاوز لاستعمال حقك تصرف لا أخلاقي، فحق التظاهر والاعتراض مشروع لكن ممارسته تتحول إلى تصرف لا أخلاقي عندما يتعدى ذلك إلى الاعتداء على حق غيرك بالمرور الآمن أو عندما تمارس السطو والسرقة والتخريب في ممتلكات الآخرين.

هذا المشهد اللاأخلاقي الذي اعتدنا على مشاهدته في الضفة الشرقية للمتوسط، انتقل فجأة إلى ضفة المتوسط الغربية، وإذا بباريس المدينة التي فضل حراسها أن يحملوا عار الهزيمة ووزر الخيانة ويعلنوها مدينة مفتوحة في 13 حزيران 1940 ليحموها من غزو النازية وخراب الحرب، تتحول على يد لاجئين آوتهم إلى تلة خراب.

إن الآتي لا يولد إلا على ركام الماضي، والقارة العجوز التي عانت من أزمات داخلية صدَّرَتها إلى العالم ثم اختزنتها ثم استوردت أزمات الآخرين، ماتت أمس ليولد من أنقاض مبنى بلدية Limoges التي أحرقها الملثمون الوافدون كمن يحطم رمزية المدينة الفاخرة بتحطيم رمزية خزفياتها الفاخرة Porcelain Limoges، فبين حريق بلدية ليموج الأثري وبين صورة خزفيات ليموج تتناقض الصورة لتولد في ذهن المشاهد أن الخراب وصل ليحرق كل ما هو جميل.

حريق بلدية ليموج لا يختلف عن حريق بلدية طرابلس، غير أن طرابلس رزحت لقرن من الزمن تحت سطوة الغوغاء الذين انتهجوا الخراب مذهباً، وتمترسوا بالطائفية أما في ليموج فكان سلطان القانون وعراقة الحضارة حصنًا حفظ هذا التراث إلى أن تسلَّل الخراب إليها عبر قوانين اللجوء وتدابيرها.

إن هذا الحريق جاء ليعلن موت القارة العجوز بعد أن ماتت سريرياً مع وفاة حزب الجمهوريين Les Républicains (الوريث الشرعي للتيار الديغولي) وانقسام قاعدته الشعبية بين حزب الجمهورية إلى الأمام وحزب اليمين المتطرف. فكان القضاء على إرث ديغول آخر أنفاس القارة العجوز.

إن موت القارة العجوز يوجب ولادة القارة الفتاة وهنا هل ستولد هذه الفتاة من وجدان القيم العليا أم من الخوف الذي يؤجج من عزيمة اليمين المتطرف، وهنا يقتضي الإجابة على أسئلة وجودية:

هل ستعتمد أوروبا الفتاة العرق كأساس لانبثاقها أم القيم؟

هل سيبقى القانون والعدالة الطبيعية منهاجاً أصليا أم ستعتمد الانتماء والولاء؟

ما هي قواعد العقد الاجتماعي الجديد وكيف ستحل مسألة الوافدين، هل سيتم التعاطي معهم بناء على جنسيتهم الأصلية أم بناء على سلوكهم ومدى اعتناقهم القيم الأوروبية؟

لا بد قبل الخوض في هذا البحث، في وطأة بشاعة المشهد، من التذكير أن المسؤولية الجزائية شخصية، لا تُنسب إلى جماعة ولا إلى أصل، ومن أقدم على فعل جرمي يقع عليه وحده تبعة الفعل أمام القضاء، وهذا محكوم بقرينة البراءة حتى ثبوت الإدانة. وقد أحكمت اتفاقية جنيف لعام 1951 هذا التوازن بين الحماية والالتزام: فمن جهة تحظر المادة 33 ردّ اللاجئ إلى بلد يتهدد فيه بالخطر، وتكمّلها المادة 3 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان التي لا تقبل استثناءً حتى بحق من ارتكب جرماً؛ ومن جهة ثانية تُلزم المادة 2 اللاجئ باحترام قوانين البلد المضيف ونظمه العامة، وتستثني المادة 1 (واو) من الحماية من ارتكب جريمة جسيمة، وتجيز المادة 32 طرد اللاجئ المقيم قانوناً لأسباب تتصل بالأمن القومي أو النظام العام، بقرار قضائي وبعد ضمانات الدفاع. ومعنى ذلك أن القانون لا يحتاج إلى عقاب الجماعة كي يحمي المجتمع، لأنه يميّز بين المهاجر المنتج الذي يعمل ويدفع الضرائب ويتعلم اللغة ويحترم القانون، وبين الفرد الذي أخلّ بالعقد. فالخلل إذًا ليس في مبدأ اللجوء، بل في ضعف تطبيق أدواته: بطء البت في الطلبات، وضعف تنفيذ قرارات الترحيل بحق من استنفد حقوقه أو ثبتت إدانته. وعلاج ذلك بتسريع العدالة وتشديد المساءلة الفردية، لا بهدم ضمانات أُسّست بعد مآسي القرن العشرين. وبهذا يبقى "السلوك" لا "الأصل" معيار التمييز.

فاضت الخطب والمقابلات بإجابات عن التساؤلات أعلاه، لكن يجب قبل إطلاق العمل تحديد إطار دقيق وموازنة المخاطر في كل إجابة، فلكل إجابة ذيولها وآثارها وتأثيرها على نجاح المسعى.

ولكي ينجح المسعى يجب أن يعيد الفرنسيون والأوروبيون قراءة التحولات الدولية الكبرى وتحديد موقعهم في زمن تتكسر فيه الثوابت وتبنى فيه مفاهيم أخرى، على هذا يكون على عاتق أبناء حرية الضمير اللادوغماتيين مسؤولية تأطير العمل العام وحفظ قيم الجمهورية التي تتلخص بعبارات ثلاث: حرية، مساواة، إخاء.