في لبنان، لا تكاد تبرز فرصة لإنقاذ الكهرباء حتى تبدأ معركة الاستحواذ على صورتها. بعضهم يحصر المبادرة القطرية برئاسة الحكومة لأنها أعلنتها، وآخرون يستحضرون عروضاً قديمة لتقليل أهمية ما تحقق. لكن الإعلان ليس المشروع، والفكرة القديمة ليست بديلاً عن العمل الذي ينقلها إلى تفاوض جدي. لذلك، فإن إسقاط دور وزير الطاقة جو الصدّي وفريقه من هذا المسار يتعارض مع الوقائع التي سبقت الإعلان.
منذ أيار 2025، باشر الصدّي لقاءات مع وزير الدولة القطري لشؤون الطاقة سعد الكعبي وصندوق قطر للتنمية، وجدد اتصالاته في شباط وأيلول 2026. وقبل الإعلان بيومين، كانت الفرق القطرية تجتمع بفريق الوزارة في بيروت بإشرافه لمناقشة الخطوات العملية. هذه سلسلة متابعة متواصلة، لا لقاء بروتوكولياً استُحضر لتزيين بيان حكومي.
والأهم أن الصدّي لم يكتفِ بطلب التمويل. ففي تشرين الثاني 2025، أعلنت مؤسسة التمويل الدولية تولّيها دور المستشار لهيكلة مشروع الغاز والكهرباء بالتعاون مع الحكومة والوزارة، وفي مقدمته معمل جديد في دير عمار بقدرة 825 ميغاواط ووحدة لاستقبال الغاز. وفي نيسان 2026، أقرت رئاسة الحكومة نفسها بأن الوزارة ومؤسسة كهرباء لبنان تقودان مسار الإصلاح، وبأن ضمانات التمويل الخاص قيد البحث. ثم جاء المقترح القطري متضمناً معملين في دير عمار والزهراني، بقدرة 825 ميغاواط لكل منهما، إلى جانب الطاقة الشمسية والرياح وتخزين الكهرباء والغاز المسال. هذا التقاطع بين التحضير الفني ومكونات العرض يستحق الاعتراف، من دون الادعاء أن الوزير صاغ الخطة القطرية منفرداً.
والربط بين الإصلاح والتمويل ليس شعاراً. فقد عُيّنت الهيئة الناظمة للكهرباء في أيلول 2025 بعد ثلاثة وعشرين عاماً من الانتظار، وأُقرّت سياسة جديدة للقطاع في تموز 2026. وفي أيلول الماضي، ناقش الصدّي مع مؤسسات التمويل الدولية الضمانات المطلوبة للاستثمار، من تطبيق القانون والحوكمة إلى تحسين الجباية وضبط الهدر والتعديات. فالمستثمر لا يبني معملاً على الوعود؛ يريد مؤسسة قادرة على التعاقد والتحصيل والرقابة. وهنا تتضح أهمية عمل الوزير وفريقه: تهيئة البيئة التنظيمية والمالية التي يحتاج إليها الاستثمار، وبناء مقومات الثقة التي افتقدها القطاع طويلاً. أما تحديد الوزن المباشر لهذه الخطوات في القرار القطري، فيبقى رهن ما تكشفه المفاوضات والاتفاقات النهائية.
ولفهم حجم المسؤولية التاريخية، تكفي العودة إلى الإرث المالي. فوفق تقرير لهيومن رايتس ووتش، بلغت الكلفة التراكمية لتحويلات الخزينة إلى مؤسسة كهرباء لبنان مع الفوائد نحو 43 مليار دولار بين 1992 و2020، بينما استمرت العتمة. ليست هذه الأموال كلها فساداً مثبتاً، ولا تقع مسؤوليتها على عهد واحد؛ لكنها سجل فشل ثقيل لا يجوز إعفاؤه من المساءلة. وخلال سنوات تولّي التيار الوطني الحر الوزارة، أثير الخلاف حول عرض التمويل الكويتي عام 2011، ثم مبادرة «سيمنز» عام 2018. اختلفت الروايات بشأن شروطهما، لكن القطاع لم يخرج من دوامة العجز والتعطيل. وهنا لا تكفي لازمة «ما خلّونا» جواباً عن حصيلة سنوات طويلة من السلطة.
وفي آب، أطلق الصدّي مناقصة التدقيق الجنائي في عقود بواخر الكهرباء وصفقات الفيول المرتبطة بها بين 2012 و2017. التدقيق ليس إدانة مسبقة، لكنه اختبار مطلوب لمعرفة كيف صُرفت الأموال ومن اتخذ القرارات. والمحاسبة الجدية تبدأ بفتح الملفات، لا بحمايتها خلف التحالفات والتبريرات.
أما من يحمّل الصدّي مسؤولية كل انقطاع ثم يمحو اسمه من رواية التقدم، فيستخدم معيارين متناقضين. لرئيس الحكومة دوره، ولقطر قرارها الاستثماري، وللوزارة مسؤولية التحضير والتفاوض. لا تُصادر مساهمة طرف لإظهار آخر، كما لا يجوز إعلان نجاح تنفيذي قبل إبرام الاتفاقات وبدء إنتاج الكهرباء.
وعلى الحكومة الآن أن تؤدي دورها: تسوية مستحقات القطاع العام، ومعالجة تكاليف إعفاءات الجنوب وأضرار الشبكة، واتخاذ القرارات المتعلقة بالتعرفة والجباية والضمانات. وقد انسحب وزراء القوات اللبنانية من جلسة 15 تشرين الأول احتجاجاً على إبقاء متطلبات تمويل الكهرباء معلّقة. هذا موقف حكومي قابل للمحاسبة، لا مجرد تصريح، لكنه يظل مطالباً بنتيجة.
بهذا المعنى، يرتبط اسم القوات اللبنانية بعمل وزيرها وبالالتزامات التي اختارت الدفاع عنها داخل مجلس الوزراء. ولا تكتمل قيمة هذا المسار إلا بتحويل القرارات الإصلاحية إلى عقود شفافة وكهرباء أقل كلفة، وبإخضاع النتائج للمحاسبة. فالعمل السياسي لا يُقاس بضجيج الخصومات ولا بمن يستأثر بصورة الإعلان، بل بالقدرة على مواجهة إرث الهدر، وتحمل كلفة الإصلاح، ومنع تكرار التجارب الفاشلة. وهنا حملت القوات اللبنانية مسؤوليتها: مواجهة التعطيل بدل الاحتماء بالأعذار، والعمل ليصبح الإنجاز حقّاً للمواطن، لا غنيمةً للانتهازيين.