بيرلا حيدر

نبيه بري وفنّ الدردشة المجانية

8 دقائق للقراءة

منذ أكثر من ثلاثة عقود، يتبدّل كلّ شيء تقريباً حول نبيه بري، باستثناء نبيه بري نفسه. يتغيّر الرؤساء والحلفاء، تنهار الحكومات، تتبدّل موازين القوى، وتنتقل البلاد من أزمة إلى أخرى، فيما يحتفظ رئيس مجلس النواب بموقعه ونفوذه وقدرته على التأقلم مع كلّ مرحلة جديدة. وإذا كان ثمة إنجاز سياسي يصعب إنكاره للرجل، فهو أنّه أتقن فنّ النجاة من نتائج السياسات التي كان شريكاً في صناعتها.

ولهذا، عندما يتحدّث بري عن تبدّل علاقته بحزب الله، لا بدّ من التمييز بين رجل يعيد النظر في قناعاته، وآخر يعيد حساباته بعدما تغيّرت الظروف. فالأول قد يكون في طريقه إلى موقف جديد، أمّا الثاني، فقد يكون ببساطة يبحث عن أفضل طريقة للاحتفاظ بموقعه القديم.

في حديثه إلى إذاعة "صوت كل لبنان"، أشار بري إلى أنّ علاقته بحزب الله كانت أقرب في أيام حسن نصرالله، مشدّداً على عدم وجود أخ أكبر وأخ أصغر. وأعلن دعمه للجيش اللبناني، معتبراً أنّه "خط أحمر". تصريحات لم تتضمّن إعلاناً عن إنهاء التحالف، ولا مراجعة لموقفه من سلاح الحزب، لكنّها كانت كافية لإثارة النقاش حول احتمال ابتعاده عن حليفه التاريخي.

وفي أوساط من بيئة حزب الله، بدأت تظهر قراءات تتّهم بري بالتمهيد للتخلّي عن الحزب في مرحلة شديدة الحساسية، وتتحدّث عن «تكويعة» سياسية محتملة. وفي المقابل، راحت قراءات أخرى تبحث في تصريحاته عن إشارات إلى تحوّل قد يضعه أقرب إلى مؤسسات الدولة.

وهكذا، وجد نبيه بري نفسه بين جمهور يخشى أن يتخلّى عن حزب الله، وآخر يأمل أن يتخلّى عن حزب الله، فيما لم يتخلَّ الرجل، حتى الآن، عن أيّ شيء.

ولعلّ المشكلة تبدأ من هنا تحديداً. فبري ليس سياسياً ناشئاً يمكن التعامل مع كلّ تصريح يصدر عنه باعتباره مؤشراً إلى اكتشاف جديد. هو رئيس مجلس النواب منذ عام 1992، وأحد أبرز أركان السلطة اللبنانية، وشريك أساسي في المعادلة السياسية التي أتاحت لحزب الله الجمع بين امتلاك قوة عسكرية مستقلة والمشاركة في مؤسسات الدولة.

لم يكن بري مجرّد حليف للحزب في الانتخابات أو شريك في توزيع المقاعد والمناصب. لقد شكّل، طوال سنوات، جزءاً من الغطاء السياسي الذي ساعد على استمرار هذه المعادلة. وفي المقابل، وفّر التحالف مع حزب الله لحركة أمل وزعيمها ثقلاً سياسياً يصعب تجاهل دوره في حماية نفوذهما داخل النظام.

كانت العلاقة مفيدة للطرفين، وهذا ما يجعل الحديث عن احتمال تبدّلها جديراً بالاهتمام. لكنّ انتهاء المنفعة، إن حصل، لا يعني بالضرورة نشوء قناعة وطنية جديدة.

فالسياسي الذي استفاد من التحالف طوال سنوات لا يصبح معارضاً لنتائجه لمجرّد أنّ كلفته ارتفعت. ولا يمكن اختصار مسؤولية بري عن مرحلة كاملة بمجرد الإشارة إلى أنّ علاقته بقيادة الحزب الحالية ليست بحرارة علاقته بقيادته السابقة.

فليس من المنطقي أن يُمنح نبيه بري شهادة حسن سلوك سياسي لأنّه بدأ يشعر بالبرد في علاقة أمضى عقوداً يتدفّأ بنارها.

بل إنّ الحديث عن ابتعاد بري يطرح سؤالاً أكثر إزعاجاً: هل المشكلة عنده في استمرار السلاح خارج الدولة، أم في أنّ هذا السلاح لم يعد يضمن لحلفائه المكاسب نفسها التي كان يضمنها سابقاً؟

لا يمكن الجزم بنيّاته، لكنّ تجربته السياسية لا تمنح أسباباً كثيرة لتبنّي التفسير الأكثر تفاؤلاً. فالرجل الذي نجح في البقاء على رأس السلطة التشريعية وسط كلّ التحوّلات اللبنانية، لم يُظهر حتى الآن استعداداً واضحاً لتحويل تمايزه الكلامي عن حزب الله إلى مواجهة سياسية مع استمرار سلاحه خارج سلطة الدولة.

أمّا حديثه عن الجيش اللبناني، فيستحقّ التوقّف عنده لسبب مختلف. فرئيس مجلس النواب أعلن أنّ الجيش "خط أحمر"، وأنّه يقف إلى جانبه. وهو موقف يفترض أن يكون بديهياً لأيّ مسؤول يتولّى منصباً دستورياً، لا أن يتحوّل إلى خبر استثنائي يحتاج إلى تفكيك سياسي.

لكنّ السؤال ليس ما إذا كان بري يحبّ الجيش، ولا كم مرّة يستطيع إعلان دعمه له. السؤال عمّا إذا كان مستعداً لدعم الجيش عندما تتعارض ممارسة صلاحياته مع مصالح حزب الله، وعندما يصبح احتكار الدولة للسلاح قراراً مطلوباً تنفيذه، لا شعاراً يمكن ترداده من دون تبعات.

فالمشكلة لم تكن يوماً في قلّة الذين يقفون مع الجيش، بل في كثرة الذين يقفون معه شرط ألّا يقف في طريق حلفائهم.

أما بالعودة لبعض الأوساط المحسوبة على حزب الله، فقد أثارت تصريحات بري انزعاجاً وصل إلى حدّ الحديث عن تخلّيه عن حليفه، وعن "تكويعة" سياسية قد تكون في طور التحضير. والمفارقة أنّ الحزب الذي اعتاد مطالبة اللبنانيين بتفهّم خياراته مهما بلغت كلفتها، يجد بعض جمهوره صعوبة في تقبّل احتمال أن تكون لحليفه خيارات مختلفة.

لكنّ الاتهامات الموجّهة إلى بري تفترض أنّه كان في يوم من الأيام مستعدّاً لتقديم مصلحة حزب الله على مصلحته الخاصة. فالتحالف بين الطرفين لم يقم على المحبّة وحدها، ولا على ذكريات النضال المشترك، بل على مصالح سياسية متبادلة جعلت استمرار العلاقة أكثر فائدة من إنهائها.

وإذا كان حزب الله يخشى اليوم أن يكون بري قد بدأ يغيّر اتجاهه، فربما نسي أنّ حليفه أمضى عقوداً في السلطة من دون أن يضيّع عنوانها، مهما تبدّلت الطرق المؤدية إليها.

وليس مستبعداً أن يكون بري قد بدأ فعلاً بإعادة حساباته. فبعد التحوّلات التي أصابت حزب الله وتراجع قدرته على فرض المعادلات السابقة، قد يجد رئيس مجلس النواب أنّ التحالف الذي ساعده طويلاً على تثبيت نفوذه بات يحتاج إلى إعادة صياغة. لكنّ مراجعة حسابات الربح والخسارة لا تعني بالضرورة مراجعة المواقف السياسية، ولا يمكن اعتبار الخوف على مستقبل النفوذ صحوةً متأخّرة للضمير الوطني.

فالرجل الذي أمضى أكثر من ثلاثة عقود على رأس السلطة التشريعية لم يكن مجرّد مستفيد عابر من النظام السياسي، بل أحد أبرز أركانه. وخلال هذه السنوات، ترسّخت حول السلطة شبكات واسعة من المحسوبيات والنفوذ الحزبي والعائلي، في ظلّ منظومة لم يكن بري خارجها يوماً.

فقد يكون بري مستعدّاً للتخلّي عن بعض حلفائه، لكن ليس هناك ما يشير إلى أنّه مستعدّ للتخلّي عن حصّته من البلد.

وهنا تحديداً تكمن المشكلة مع موجة التفاؤل بأيّ تمايز يصدر عنه. فبعض اللبنانيين مستعدّون للتعامل مع مجرّد خلاف بين بري وحزب الله باعتباره تطوّراً إيجابياً بحدّ ذاته، متناسين أنّ الخلاف بين شريكين في السلطة لا يجعل أحدهما تلقائياً ممثّلاً لمصالح المواطنين الذين دفعوا ثمن تلك الشراكة.

فقد يختلف الطرفان على النفوذ، أو على إدارة المرحلة المقبلة، أو على توزيع أعباء القرارات السابقة، من دون أن يختلفا على المبادئ التي سمحت باستمرار تلك القرارات أصلاً. وقد يبتعد بري عن الحزب خطوة، ثم يقترب منه خطوتين عند أول تسوية تضمن مصالح الطرفين. ولا شيء في تصريحاته الأخيرة يحسم الاتجاه الذي سيسلكه.

بل إنّ الخطورة تكمن في منح الرجل فرصة لإعادة تقديم نفسه بعيداً عن مسؤولياته السابقة، وكأنّ العلاقة مع حزب الله كانت حادثاً سياسياً وقع له، لا تحالفاً اختاره ودافع عنه واستفاد منه.

فنبيه بري لم يكن راكباً في قطار حزب الله حتى نحتفل بنزوله في المحطة المقبلة. كان أحد الذين ساعدوا في مدّ السكّة.

ولهذا، لا يوجد سبب واحد يدفع إلى تصديق أنّ بري أصبح أقرب إلى مشروع الدولة لمجرّد أنّه بات أقلّ قرباً من قيادة حزب الله. فالمعيار ليس مقدار الودّ بين الحليفين، ولا عدد الرسائل السياسية التي يتبادلانها عبر الإعلام، بل موقفه من القضية التي سمحت لهذا التحالف بأن يتحوّل إلى جزء من بنية السلطة: السلاح خارج الدولة.

فإذا كان بري قد قرّر فعلاً مراجعة موقعه السياسي، فليعلن تأييده الصريح لنزع سلاح حزب الله وحصره بالمؤسسات العسكرية الشرعية، وإنهاء ازدواجية القرار الأمني والعسكري، وحصر قرار الحرب والسلم بالدولة اللبنانية. وليستخدم نفوذه في رئاسة مجلس النواب وحركة أمل للدفع نحو تنفيذ هذه الأهداف.

قد لا يكون ذلك كافياً لمحو تاريخه السياسي، لكنّه على الأقلّ سيمنح اللبنانيين سبباً للتعامل مع تصريحاته باعتبارها أكثر من محاولة لتحسين شروطه في المرحلة المقبلة.

أمّا أن يكتفي بالحديث عن تراجع حرارة العلاقة، ويعلن دعمه للجيش، ويتجنّب الاقتراب من مسألة السلاح، فذلك يتركنا أمام نبيه بري الذي نعرفه: يعرف تماماً ما ينبغي قوله، والأهمّ، ما ينبغي ألّا يقوله.

فهو قادر على إعلان دعمه للدولة من دون أن يزعج من ينازعونها سلطتها، وعلى الابتعاد عن حزب الله من دون أن يخسر تحالفه معه، وعلى الظهور بمظهر الرجل الذي يواكب التغيير من دون أن يتغيّر شيء في موقعه.

ولعلّ أكثر ما يثير السخرية أنّ بري، بعد كلّ هذه السنوات، ما زال قادراً على جعل تصريحاته مادة للتكهّن بمستقبله السياسي، فيما يُفترض أن يكون تاريخه الطويل كافياً لفهم طريقته في التعامل مع التحوّلات.

فلا بأس أن يختلف نبيه بري مع حزب الله، ولا مشكلة في أن تتبدّل تحالفاته. لكن ليس مطلوباً من اللبنانيين أن يصفّقوا له كلّما أعاد ترتيب مقاعد حلفائه حول طاولته، أو أن يمنحوه ثقة جديدة مقابل مواقف لم يعلنها أصلاً.

وحتى يطالب بري صراحةً بنزع سلاح حزب الله، ويعمل على ترجمة ذلك إلى قرارات فعلية، سيبقى الحديث عن ابتعاده عن الحزب مجرّد تغيير في المسافة بين حليفين، لا في المسافة بين لبنان والدولة.

أما نبيه بري، فقد ينجح مرّة أخرى في الخروج من مرحلة سياسية بأقلّ الخسائر، وربما بمكاسب جديدة. فهو يعرف كيف تنتهي التحالفات، وكيف تبدأ التسويات، وكيف يحتفظ لنفسه بمكان في كلتيهما.

لكنّ المشكلة مع نبيه بري ليست في أنّه يكيّف مواقفه وفقاً لمصالحه، بل في قدرته على تقديم مصالحه الخاصة كما لو أنّها مواقف وطنية.