* "طرابلس... أم أحمد أم أنطون وقصتي مع الفنون"
فضل زيادة – عن "الدار العربية للعلوم ناشرون".
في مقدمة الكتاب قول لغابرييل غارسيا ماركيز من كتابه "نعيش لنرويها": "ليست الحياة ما نعيشه، وإنما ما نتذكّره والكيفية التي نتذكّره بها".
الكتاب سيرة ذاتية... سرد شيّق لأحداث عاشها الفنان التشكيلي فضل زيادة، توزّعت بين مدينته طرابلس والعاصمة بيروت. تتوالى الصور المشهدية، كأنها شريط سينمائي: مدرسة منطقة الحدادين، وبستان الليمون، وحرب عام 1967، واستقالة عبد الناصر، ومعهد الفنون في بيروت، وأخبار العائلة وأحياء طرابلس القديمة، وفيضان نهر أبو علي... إنها ذاكرة زمن يبدو أنه كان جميلا!
نقرأ من الكتاب: "وُلد جميع إخوتي وأخواتي في منزلنا السابق بمنطقة الحدادين. وكانت مدرسة النموذج الرسمية للصبيان تقع في أول طلعة الرفاعية، وهي قريبة من المنزل، لذلك انتسب إخوتي إلى هذه المدرسة. وعندما انتقل الوالد مع العائلة للسكن في البستان على طريق المئتين، ظلّ إخوتي يتابعون دراستهم في هذه المدرسة. وكان الفارق بيني وبين أخي الأكبر مني مباشرة ثماني سنوات. لهذا، تأخّر دخولي إلى المدرسة بسبب بُعد المسافة بين المدرسة والمنزل في البستان. وكما سبق أن قلت، ذهبت مع إخوتي إلى المدرسة. وكان اللباس الرسمي يتألّف من بنطلون شورت ومريول أسود (الصّدارة)".
* "كتاب الرمل والزبد" – جبران خليل جبران
صياغة عربية وتقديم: هنري زغيب – منشورات "أكاديميا فيليب سالم للتراث اللبناني".
كما جاء في مقدمة الكتاب، هي فلذات من أصفى كتابات جبران، صيغت بمفردات لغة اليوم، وتشكّل خلاصة جوهرية لفكره. وربما لم يحدس جبران أنّ حبّاتها ستظلّ، بعد مئة عام على صدورها، نابضة وخصيبة... الكتاب ليس قصة، بل هو أشبه بشلال من الحِكَم والتأمّلات حول الوجود والحب والألم والبصيرة البشرية. على شاطئ تتقاذفه أمواج الوجود، يلتقي جبران بالرمل الأبدي ورغوة الزبد العابرة، ويستخلص عِبَر الحياة. يقول: "لا ندرك الحقيقة إلا حين نتخلّى عن غرور المعرفة!". وفي الحب والحرية، يقول: "المحبة لا تملك شيئًا ولا تريد أن يملكها أحد".
نقرأ من "الرمل والزبد": "أمشي... أمشي... أمشي... أمشي عند هذي الشواطئ، ما بين الرمل والزَبَد. سيَغمُر المدّ آثار قدميّ، وتُبعثر الريحُ الزبدَ. لكن البحر باقٍ أبدًا، ومثله الشاطئ. ذات مرة ملأتُ كفّي ضبابًا. وإذ فتحتُها، كان قد تحوّل إلى دودة. ضممتُ كفّي مجددًا ثم فتحتها، فإذا فيها عصفور. عُدتُ فضممتُها وفتحتُها، فانتصب في تجويفها رجل حزين، وجهه إلى فوق. ضممتُ عليه كفّي، وحين فتحتُها لم أجد سوى ضباب. لكنني سمعتُ أغنيةً كلّيّة العذوبة. حتى أمس كنتُ أظنّني في كوكب الحياة جزءًا مرتعشًا بلا إيقاع. اليوم أعي أني أنا الكوكب، وفيَّ ترتعش أجزاء الحياة جميعها بإيقاعات متناغمة".
* "مقهى الهورس شو"
إيمان عبدالله – عن "دار نلسن".
تستلّ إيمان عبدالله صورًا ومشاهد من سيرة شارع الحمرا ومقاهيه. وكانت قد أصدرت كتاب "مطعم فيصل"، وتحدّثت فيه عن روّاده في الستينات والسبعينات، من أدباء وفنّانين ورجال سياسة... أما عملها الجديد "مقهى الهورس شو: ذاكرة بيروت على رصيف شارع الحمراء"، فهو مجموعة شهادات لعدد من الشخصيات التي واظبت على ارتياد ذلك المقهى. كما اعتمدت على ما يختزنه أرشيف "النهار"، إذ كان كثير من الصحافيين يرتادون المقهى ويكتبون فيه ويتناقشون مع سياسيين ومفكّرين ومغنّين من العالم العربي. كتاب توثيقي يحفظ ذاكرة فكرية وثقافية لدور بيروت في حقبة مفصلية من تاريخ لبنان.
تستحضر الكاتبة نصًّا للباحث وضّاح شرارة نشره في "النهار" بتاريخ 24 تشرين الأول 1978: "أسراب أفكار... شكّل مقهى "الهورس شو" فضاءً حرًّا لكلّ حركات التجديد في الشعر والرسم والمسرح والصحافة، بمعنى أنّه أتاح لأفكار الحداثة الشعرية أن تُتداول وتتسرّب من صفحات الجرائد والمجلّات إلى نقاشات الحياة اليومية في المدينة... في أرجاء هذا المكان التقى الشعراء والصحافيون والمفكّرون. ومن الأسماء: قسطنطين زريق، وتوفيق صايغ، ومحمود درويش، وعبد الحليم حافظ، وفريد الأطرش، وفيروز مع الأخوين رحباني".
ويروي الكتاب حكايات كثيرة شيّقة عن مرحلة اتّقدت فيها نهضة ما سُمّي بحداثة الستّينات في كل مناحي الإبداع. وليس من المبالغة القول إنّها كانت النهضة الثالثة، حتى اندلعت النيران عام 1975، فأحرقت مدينة كانت لؤلؤة الشرق!
"الهورس شو" مرآة بيروت، مقهى ومسرح، قناع وهوية... وتعدّدت الأمكنة وشرعت تتجدّد دون ضابط: واجهات العرض، والشاشات، والمسارح، والأكشاك، والمساحات المقروءة، والضواحي. وانفكّت بعض الأمور عن نصابها وانسلخت؛ فلم يعد الرصيف حافة الطريق أو المكان الذي تطلّ عليه المحلّات التجارية فحسب، بل أصبح، إضافة إلى ذلك، صالة عرض في الهواء الطلق، ومنتزهًا عامًا، وفرصة للتعارف، ومثار رغبة، و"ماء" يحجب "السمك" المتظاهر عن أعين الشرطة قبل أن يحتلّ الشارع، ويحميه.
* "وردة ريتسوس... سِيَرٌ وأسرار"
أحمد علي الزين – عن "دار نوفل".
هذا جديد الروائي والإعلامي أحمد علي الزين. وجاء في التعريف بالكتاب: "هذه ليست سيرة...". وبأسلوب شيّق، يستعيد الزين رحلاته، قائلا: "جِلتُ كثيرًا في مدن العالم...".
هذه ليست سيرة بالمعنى التقليدي. هذه ذاكرة حميمة تتقاطع مع ذاكرة أجيال وأزمنة وأمكنة، تمتدّ من مسقط رأس الكاتب في بلدته عكار العتيقة في ستّينات القرن الماضي إلى مدن العالم. أمّا بيروت، حيث كانت ولادته الثانية، فيصطحبنا الكاتب إلى مقاهيها ومسارحها وصحفها وليلها، وإلى كتّاب ومبدعين أقاموا فيها أو عبروا بها، وإلى صحبة تواعد أفرادها فيها قبل أن تفرّقهم الحروب، وإلى أسماء يستعيدها من النسيان.
هي ليست اعترافات فردية فحسب، بل استحضار لذاكرة أمكنة ومدن وحيوات أدباء وفنّانين ومفكّرين وفلاسفة، من بينهم أصدقاء قدامى، وآخرون صاروا أصدقاء بعد أن تقاطعت دروب الكاتب مع دروبهم.
هي رواية شخصيّاتها جاورتنا وعاشت بيننا، بعضها رحل، وبعضها لا يزال يزاول لعبته مع الحياة.
هذه وردة يحملها أحمد علي الزين إلى مبدعين صنعوا زمنه ما بين مشرق البلاد ومغربها، حملها إليهم في أوطانهم الأمّ وفي منافيهم البعيدة، عربون وفاء لما قدّموا للمعرفة والجمال.
هي رحلة مشّاء يتأمّل علاقة الكتابة بالنسيان والموت، متشبّثًا بالفن والحب بوصفهما وسيلتَين لمقاومة العنف والاقتلاع وفقدان المعنى، وهو القائل: "إنّ الحبّ هو كلمة السرّ والكتابة قارب النجاة".
هي شهادة ثقافية وسياسية على ما أحدثته الحروب في لبنان والعالم العربي من مآسٍ وأهوال، وعلى فظائع الاستبداد.
"وردة ريتسوس" تحاول، بالكلمات، أن تمنح الغائبين وطنًا آخر لا يطاله النسيان: "جِلتُ كثيرًا في مدن العالم والتقيتُ آلاف الناس، لكن الطائرة والقطار وسيلتا نقل من صنوف اللامكان، كما يصفها الفرنسي مارك أوجيه. فتلك الآلة التي تعبر بك الفضاءات بسرعة مذهلة، من دون أن تلامس قدماك الأرض، أو أن يفرقع الحصى تحت حذائك أو تحت حوافر الدابّة التي تجرّها محمّلة بمتاعك، أو أن تعبر أمامك أفعى، أو يباغتك ذئب أو عصابة لصوص، لا مجازفة فيها ترفع منسوب الترقّب، ولا مغامرة محفوفة بالأخطار ترفع منسوب الأدرينالين. المجازفة الوحيدة فيها هي احتمال تعرّضها لحادث أو لعطب تقني يُبطل الوصول، وبالتالي يُبطل الحياة، أو أن تُخطف الطائرة، ولسوء الطالع تكون واحدًا من المسافرين. مرّة ظننتُ أننا خُطفنا، حين وقف أحد المسافرين وراح يصرخ ويأمر المضيفات بهبوط الطائرة فورًا. تمّت السيطرة عليه، وبدا أنّه أُصيب بنوبة هلع، لكنّه خلع قلبي من مكانه".


