فجر الأحد 23 تشرين الأول 1983، اقتحمت شاحنة مفخّخة مقرّ مشاة البحرية الأميركية قرب مطار بيروت، فقتلت 241 عسكريًا أميركيًا. وبعد دقائق، دمّر انفجار ثانٍ مبنى "دراكار" في الجناح، فسقط 58 مظليًا فرنسيًا. كانت القوّتان جزءًا من القوة المتعددة الجنسيات التي عادت إلى لبنان في أيلول 1982، بطلب من الحكومة اللبنانية لمساندة الدولة في استعادة سلطتها على عاصمتها.
لم يكن الهجوم حدثًا معزولا. فقبل ستة أشهر، في 18 نيسان، دُمّرت السفارة الأميركية في بيروت. كانت الرسالة واحدة: ممنوع على الدولة اللبنانية أن تستعيد قرارها بمساعدة أيّ طرف لا يرضى عنه محور إقليمي صاعد: الثورة الاسلامية في ايران.
تبنّت الهجوم "منظمة الجهاد الإسلامي"، الواجهة التي عملت خلفها النواة الأولى لـ"حزب الله"، بإشراف الحرس الثوري الإيراني المنتشر في البقاع منذ 1982. وقد خلص القضاء الأميركي عام 2003 إلى مسؤولية إيران. أما دمشق، الممسكة بالبقاع وبطرق الإمداد، فكانت المستفيد الأول من إخراج الغرب وإسقاط اتفاق 17 أيار.
تصنّف الباحثة الفرنسية إليزابيت بيكار هذه العمليات، في دراستها الصادرة عام 1993، إرهابًا ترعاه الدول: تبنّته طهران ودمشق حين خدم استراتيجيتهما، وتخلّتا عنه حين تبدّلت الظروف الدولية. بكلام آخر، قُرّرت الحرب على أرض لبنان من خارج مؤسساته.
بعد أربعة أشهر، انهار الجيش اللبناني في بيروت الغربية في 6 شباط 1984، وأعلن الرئيس ريغان سحب المارينز، فغادرت القوة المتعددة الجنسيات. وفي آذار 1984 أُلغي اتفاق 17 أيار. تُرك لبنان لميليشياته ولوصاية سورية امتدّت حتى 2005.
هكذا وُلدت معادلة حكمت لبنان أربعة عقود: سلاح خارج الدولة يقرّر الحرب والسلم، ودولة تدفع الثمن. ومنذ ذلك اليوم، لم يعد العنف تعبيرًا عن جماعة مهمّشة تطالب بحقوقها، بل أداة نفوذ إقليمي على أرض لبنانية.
بعد ثلاثة وأربعين عامًا، يقف لبنان أمام السؤال نفسه: من يملك قرار الحرب والسلم؟ كلّفت الحكومة الجيش في آب 2025 حصر السلاح بيد الدولة، ثم حظرت النشاط العسكري لـ"حزب الله". ومع ذلك، جرّت حرب آذار 2026 البلاد مجددًا إلى صراع إقليمي لم تقرّره، وكلّفتها عشرات الآلاف من القتلى. وفي تشرين الأول الجاري، ضُبطت على حاجز ضهر البيدر شاحنة تنقل مئات الكيلوغرامات من المتفجرات، اعترف "الحزب" بملكيتها وطالب باستردادها.
أمام هذ الواقع الممتد منذ أربعة عقود لا بد من التذكير بالمبادئ السياسية الأساسية التالية:
أولا، لا سيادة بنصف احتكار. الدولة التي تتعايش مع سلاح موازٍ تتنازل عن قرارها السيادي، ويصبح أمن مواطنيها رهينة حسابات تُرسم في عواصم أخرى.
ثانيًا، المحاسبة شرط الاستقرار. لم يُحاسَب أحد أمام القضاء اللبناني على تفجيرات 1983، وبقيت أحكام المحكمة الخاصة بلبنان في اغتيال الرئيس رفيق الحريري بلا تنفيذ. وكلّ ملف يُترك رهينة التسويات السياسية يُضعف هيبة القرار الحكومي نفسه.
ثالثًا، العزلة ثمن العنف. خروج القوة المتعددة الجنسيات عام 1984 ترك لبنان وحيدًا. واليوم، يرتبط أيّ دعم دولي للجيش ولإعادة الإعمار بتطبيق حصرية السلاح فعلاً لا قولاً.
رابعًا، الدولة القوية ليست الدولة الأمنية. أنّ الدولة التي لا تقدّم سوى الزبائنية ستواجه موجة تعبئة جديدة. فحصرية السلاح تحتاج إلى عقد اجتماعي عادل يقنع البيئة الشيعية بأنّ الدولة، لا السلاح، هي الضمانة.
ليست ذكرى 23 تشرين الأول مناسبة أميركية وفرنسية فحسب. إنها ذكرى اللحظة التي خرج فيها قرار لبنان من بيروت. واستعادته اليوم ليست تنازلا لأحد، بل عودة اقله إلى ما اتفق عليه اللبنانيون في الطائف: دولة واحدة، وجيش واحد، وسلاح واحد.